بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٢ - المقدّمة الرابعة في ثمرات المسألة
الشرط المتأخّر و إلا فالبحث فيه غامض و ميدان الكلام هنا طويل واسع لأن المسائل الّتي زعمها من الشرط المتأخر مثل وجوب الغسل للصّوم في اللّيل مع أنّه مشروط بالفجر و وجوب الزكاة في أول الشهر الثاني عشر مع أنّه مشروط ببقاء النصاب إلى آخره و صحّة صوم المستحاضة مع كونه مشروط بغسل اللّيلة الآتية و وجوب الصّوم على المرأة مع كونه مشروطا بعدم حيضها في آخر النهار و صحّة الفضولي مع اشتراطه بلحوق الإجازة و غير ذلك مما ظاهره كون المتأخر شرطا لا كون الشرط متأخرا يستحيله العقل كلّها مؤول بما أشرنا إلى شرذمة منها في مقدّمة الواجب و حيث ما لا يتصوّر فيه تأويل يكون الشرط حينئذ هو نفس التقدير أعني كون العقل أو التكليف بحيث يتعقبه الشرط فيكون الشرط مقارنا أيضا فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تصحيح الموسّع مع المزاحمة مع المضيق أحد أمرين إمّا نفي وجوب المقدّمة أو تجويز اجتماع الأمر و النهي و أحدهما يكفي في تصحيح الضدّ و إنّما الفرق بينهما في مسألة الاغتراف فالأوّل يصحّحها أيضا دون الثّاني لأنّ اجتماع الأمر و النهي فيها آمري محال غير مبني على مسألة اجتماع الأمر و النهي فإنّه مأمور و لذلك قال بعضهم كما عن كاشف الغطاء بصحّة الضد و فساد الوضوء من الآنية المغصوبة فما اختاره بعض الأفاضل من الصّحة في موضعين تفريعا لهما على الوجوب التعليقي الترتيبي بديهي الفساد كما سبق مفصّلا في مقدّمة الواجب نعم هنا كلام آخر أوردناه هناك أيضا إن تم صحّت المسألتان و هو أن المكلّف لما كان عازما و بانيا على الإتيان بالمقدّمة المفروضة لم يتعلّق بها الوجوب المقدّمي و كذا كلّ مقدّمة يكون الداعي إلى فعلها موجودا في المكلّف من قبل نفسه إذ الأمر بهذه المقدّمة لا فائدة فيه بل الأمر كذلك في الواجبات النفسية الّتي داعيها موجود قبل الأمر فإن الإلزام بها ليس له فائدة التكليف لكنه غير تام إذ الوجوب التبعي الإجمالي لازم عقليّ بوجوب ذي المقدّمة قهرا بحيث لا يسع للآمر الملتفت نفيه و الّذي يلاحظ فيه فائدة التكليف و هو البعث على الفعل هو الوجوب الأصلي الناشئ عن خطاب تفصيلي كقوله تعالى فَاغْسِلُوا فهذا هو الّذي يمكن القول بعدم فائدته مع وجود الدّاعي قبل الأمر و أمّا الوجوب التبعي المعلولي فلا ينفك عن وجوب ذيها فكيف ينتفي الوجوب المقدّمي للمقدّمة المفروضة و هنا مسلك آخر لنفي الوجوب المقدّمي عن ترك الضدّ سلكه صاحب المعالم يأتي التعرض له في الأدلّة و سبق الإشارة إليه في مقدّمة الواجب و هو إن صحّ رجع إلى إبطال الأصل أعني الاقتضاء دون الفرع هذا حال الجواب الحلي عن الإشكالات المذكورة و أمّا النقض بالمضيقين فليس له وجه ظاهر لأنّه إن أراد الأمر بهما على التعيين فلم يقل و لا يقول به أحد و إن أراد الأمر بهما على وجه التخيير فلا مساس له بالمقام لأن وجوب الضدّين على سبيل التخيير مما لا غائلة فيه و إنما الكلام في اجتماع وجوب أحدهما عينا مع الأمر بالآخر فهذا النقض بظاهره غير واضح و لعلّ نظره إلى التقريب الّذي بيناه فراجع و تأمّل نعم النقض بمناسك منى و مناسك العمرة وارد و جوابه أنّه لا يدلّ على فساد الثمرة بناء على الاقتضاء لأنّه أعمّ منه و من فساد المبنى و هو الاقتضاء إذ على القول بعدمه قد عرفت أنّه لا إشكال في صحّة الموسّع مطلقا حتى إشكال اجتماع الأمر و النهي في ترك المضيق لأنّه مبني على كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الآخر فمن ينكره لا يرد عليه النقض أيضا كما لا يخفى (و الحاصل) أنّ النقض المذكور لا ينفع لمن قال بصحّة الموسّع على القول بالاقتضاء لأنّه أعمّ فلأن يدل على عدم الاقتضاء أولى من أن يدلّ عليها على القول بالاقتضاء و الكلام في صحّتها لا في صحة المبنى و هنا نقض آخر التفت إليه كاشف الغطاء و هو أن الفقهاء حكموا بمعذورية الجاهل بالمسألة في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام و هو لا يتم إلا بالتزام صحّة الأمر بالثاني على فرض المعصية و هو أقوى من الإشكال في صحّة الموسّع لما عرفت أنّ حكم المسألة هناك ينحلّ إلى أوامر ثلاثة وجوب هذا و وجوب هذا و تقديم هذا على هذا و هنا ليس إلا أمر واحد فإن كان متعلّقا بالإخفات فكيف يعاقب على عدم الجهر مع التقصير و من ذلك يظهر أنّ إجراء الجواب الحلّي المذكور في كلام المحقق الثاني الّذي اعترفنا بصحّته في جاهل المسألتين خطأ بين إذ لا ربط له به أصلا كما لا يخفى على متدرّب متأمّل ذي فطانة فلا بدّ من توجيه آخر و قد
ذكر في محلّه وجوه اندفاعه الّتي منها منع العقاب على الجاهل و لو مع التقصير إذ الدّليل القطعي عليه مفقود و الظني المستفاد من ظاهر العلماء غير مفيد و ليس هذا من التصويب الباطل المحال عقلا إذ هو أن يكون العلم و الجهل مؤثرين في تقرر الحكم الواقعي عند اللّه في الواقع فإنه محال لما فيه من الدّور البين و الحكم بمعذورية الجاهل في المسألتين وضعا و تكليفا غير مبني عليه بل على كونهما مغيرين للحكم الواقعي بأن يكون للواقعة في نفسها مع قطع النظر عن العلم و الجهل حكم واقعي و يكون الجهل به مغيرا له كما يقوله السّيد المرتضى (قدّس سرّه) في جواب أخيه في جواب بعض المسائل أنّ الحكم الشرعي يتغير بالصّفات و الجهات و العلم و الجهل من الصّفات المغيرة و منها منع كون الإخفات في حال الجهل مجزيا بل مسقطا عن الواجب و هو و إن كان مخالفا لظاهر الأدلّة إلا أنّ الظاهر يؤول إذا عارضه دليل العقل فقد تلخّص من جميع ما ذكرنا أن صحة الموسّع مع مزاحمة المضيق يجوز عقلا بارتكاب أحد أمرين إمّا منع كون ترك الضدّ مقدّمة و إمّا تجويز اجتماع الأمر و النهي و إلا فلا و أنّ تصحيح عمل الجاهل في المسألتين غير ممكن بهما