بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٧ - الجزء الأوّل في المراد من الأمر
المسألة ما لم يقم دليل على خلافه و حيث كان الأصل في الأحكام الظاهريّة التحريم وجب الاجتناب عن مشكوك الاعتبار و الأصل في الأحكام الواقعية لما كان البراءة و العدم نهض بالنفي عند الشكّ في الوجوب فوجوب العمل بمظنون الأهميّة عينا ممنوع بالأصل (و ثانيهما) أيّ من مقامي وجوب العمل بالمظنون بل المحتمل هو ما إذا شكّ في المكلّف به مع عدم إمكان الاحتياط فإن وجوه المسألة أو أقوالها ثلاثة أحدها جواز المخالفة القطعيّة إذا لم يقم دليل على وجوب الامتثال في الجملة لأن التكليف مشروط بالقدرة و العلم و المفروض عدم العلم به تفصيلا و لا إجمالا بالاحتياط فمن أين يجيء حينئذ وجوب الامتثال الاحتمالي في الجملة و هو ظاهر جملة من الأفاضل يعرف ذلك من الإحاطة بمقالتهم في دليل الانسداد و فروع اشتباه القبلة و الستر و سائر شروط الصّلاة مع عدم إمكان الاحتياط لضيق الوقت و نحوه و احتمل الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) في خصوص اشتباه السّاتر مع ضيق الوقت عن الاحتياط القرعة أيضا و هذا الاحتمال يأتي في جميع الشبهات الموضوعية و ثانيها وجوب الامتثال في الجملة على سبيل التخيير من غير مراعاة الظنّ و الرجحان كما عن ظاهر الشرائع و المعتبر و القواعد و الإرشاد و الدروس و اللّمعتين و الألفيّة و ثالثها وجوب التحري و العمل بالظنّ و قد صرّح به غير واحد منهم صاحب المدارك وفاقا للمحقّق الثّاني في جامع المقاصد و تعليقات الشرائع و الإرشاد في بعض الفروع و كذا الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) و هو الأصحّ و وجه الثاني أنّ مع تعذر الموافقة القطعية بعد العلم الإجمالي يقتضي الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لا سقوط التكليف بالمرّة كما هو مبنى الوجه الأوّل إذ التكليف بتحصيل الظنّ لا دليل عليه و يدفعه أن العقل قاض بالامتثال القطعي مع الإمكان و مع التعذر الأقرب فالأقرب و الامتثال الظّني أقرب إلى الامتثال القطعي بحكم العقل و بناء العقلاء فإمّا أن نلتزم بالقول الأول و هو سقوط التكليف رأسا أو بوجوب مراعاة الامتثال الظنّي فالامتثال الاحتمالي مع إمكان الظنّي تفصيل لا يساعده الدليل و عليه يبنى وجوب العمل بالظنّ في نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة و تمام الكلام موكول إلى غير المقام (المقام الثّاني) فيما إذا تساويا في الأهميّة لا خلاف في أنّ الحكم حينئذ هو التخيير لكن فيه إشكال لا بدّ من دفعه و هو أن ما مرّ في تعارض الأصول و الأمارات من خروج المتعارضين عن الدّليل آت هنا أيضا إذ البناء على دخولهما معا تحت الدليل القاضي بوجوبهما العيني تكليف بما لا يطاق و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح فمقتضى القاعدة المشار إليها سابقا أي التساقط هو الحكم بخروج المتزاحمين عن عموم الدّليل و عدم العمل به في شيء منهما دون التخيير و الجواب عنه بوجوه (أحدها) أن يمنع الخروج عن تحت الدليل رأسا بل عن الوجوب العيني خاصة بأن يكون الخطاب مستعملا في القدر المشترك بين التعييني و التخييري هذا و على القول بأنّ الأمر مجاز في التخييري يكون من عموم المجاز الاصطلاحي و على المختار من كونه حقيقة في القدر المشترك يكون الخطاب مهملا من حيث المزاحمة و ليس فيه تجوز و ارتكاب خلاف ظاهر غير أنّه خطاب مهمل من الحيثية المذكورة و لا ينافيه أيضا كونه مطلقا عن سائر الجهات و كأنّه إلى ذلك يشير ما في القوانين أنّ الخطابات المطلقة مطلقة في حق الواجدين لشرائط التكليف و مشروطة في حق الفاقدين (و ثانيها) أيضا منع الخروج على أن يكون مستعملا في الوجوب التعييني في الفرد السّليم عن المزاحم و التخيير في الفرد المبتلى بالمزاحم و هو أحد محتملات ما في القوانين على بعد و هو كما ترى التزام باستعمال الخطاب في المعنيين (و ثالثها) و هو المختار الالتزام بالخروج اللّفظي عن عموم الدليل مع ثبوت الحكم بالمناط القطعي فإن لازم ذلك التخيير العقلي و إنّما لم نقل به في تعارض الأصول و الأمارات حيث بنينا فيها على التساقط لو لم يكن دليل من الخارج لأنّ المناط القطعي بل الظني فيها غير متضح إذ الأصول و الأمارات شرعت لمصالح عرضيّة خارجيّة بناء على عدم التصويب و احتمال اختصاص المصلحة الشرعية بالصّورة السّليمة عن المعارض قائم و لا سبيل إلى القطع أو الظن بوجودها عند التعارض بخلاف الأحكام الواقعية مثل وجوب إنقاذ الغريق و وجوب أداء الدّين و أمثالهما فإنّ المصلحة الباعثة على التشريع بعينها موجودة في صورة المزاحمة أيضا فمقتضى الوجوب في كلّ منهما موجود و إنّما لم يترتب عليه المقتضى و هو وجوب الامتثال عينا لوجود العجز و بعد ملاحظة المقدّمتين أي وجود المقتضي و عدم القدرة
على امتثالهما معا يحكم العقل بالتخيير فتلخص من جميع ما ذكرنا أن الواجبين المتزاحمين إن كانا موسّعين فالتخيير مطلقا و إن كانا مضيّقين فكذلك إلا إذا كان أحدهما أهمّ فيقدّم على الآخر و إن كان أحدهما مضيقا و الآخر موسّعا فالمضيق أيضا مقدم على الموسّع فيفسد بناء على مسألة الاقتضاء و لا فرق في شيء من ذلك بين أن يكون المتزاحمان من جنس واحد أو من جنسين مختلفين و هذا الّذي ذكرنا ممّا لا إشكال فيه بل لا خلاف إلا أنّه نقل عن بعض الأعلام هنا ما من الغرابة بمكان حيث فصل في المقام و قال ما حاصله إن الثمرة المعروفة و هو فساد الضدّ إنما يصحّ إذا كان الأمر بالمضيق قطعيا و الأمر بالموسّع ظنّيا دون العكس و دون ما إذا كانا قطعيّين أو ظنيين أمّا القطعيّان فلامتناع صدور الأمر بالمضيق و الأمر بالموسّع من الأمر في زمان واحد فعند