بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٦ - الجزء الأوّل في المراد من الأمر
على ما ذكروه أن يكون أحدهما حق اللّه تعالى و الآخر حق النّاس و هو على إطلاقه غير مسلّم فربّ حق للّه تعالى أولى و أهمّ من حقّ الناس كحفظ نفس الإمام فإنّه أهمّ من جميع حقوق الناس فإذا كان أحدهما أهم من الآخر شرعا وجب تقديم الأهم خلافا لظاهر الفاضل التوني حيث قال بالتخيير و هو بظاهره ممّا لا وجه له لأنّ المراد بالأهمّ ما ثبت وجوب تقدّمه على الآخر بالدّليل اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده بالأهميّة المزية بالقياسات و الاستحسانات كما إذا دار الأمر بين إنقاذ الغريقين و كان أحدهما عالما أو هاشميّا أو تقيا أو نحو ذلك من الأمور الّتي يخطر ببال أكثر الناس كونها سببا للترجيح فإنه لا عبرة بها ما لم يقم عليه دليل معتبر و هذا الإشكال فيه و يؤيده عدم تعرض الشارح صدر المحققين له بالردّ و القبول و هل يكفي فيه الظنّ أم لا ذهب شيخنا العلاّمة طاب ثراه في رسالة التعادل و التراجيح إلى الأوّل بل قال أو مال إلى كفاية الاحتمال أيضا نظرا إلى انتفاء مقتضى التخيير مع احتمال أهميّة أحدهما على الآخر إذ القاضي بالتخيير و الحاكم به هو العقل و هو إنما حكم به مع تساويهما في نظره و إذا احتمل رجحان أحدهما على الآخر فمناط حكم العقل بالتخيير و موضوعه و هو التساوي غير محرز فكيف يحكم بالتخيير حينئذ مع أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة فمع احتمال كون أحدهما أهمّ عند الشارع من الآخر وجب الأخذ بالقدر المتيقن الّذي يتحقق به البراءة اليقينية هذا و يمكن المناقشة في ذلك بأن احتمال الأهميّة مرجعه إلى الشكّ في التكليف الزائد فوق التكليف بالقدر المشترك فهو مدفوع بالأصل سواء قلنا بالبراءة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعيّين أو العقليين بعد العلم الإجمالي أو قلنا فيه بالاحتياط و الاشتغال أمّا على القول الأوّل فواضح و أمّا على الثاني فلأنّ الدّوران بينهما إنّما هو لإجمال مراد الشارع المعلوم بالإجمال و دورانه بين ما هو واجب و ما ليس بواجب رأسا بالذات فلا غرو حينئذ في البناء على الاحتياط إلحاقا له بالمتباينين و مراد الشارع في باب التزاحم ليس بمجهول و لا بمجمل إذ المفروض وجود مقتضى وجوب كلّ منهما في حدّ ذاته و إنما الشكّ في وجود المانع لهذا المقتضي في الطرف المرجوح و من البين كونه شكا بدويّا صرفا فيدفع بأصالة البراءة و أصالة العدم قولك إنّ موضوع حكم العقل هو التساوي فمع الشكّ فيه كيف يحكم بالتخيير قلنا ليس موضوع حكم العقل ذلك بل هو وجود المقتضي للامتثال في ضمن كلّ واحد منهما مع عدم إمكان الجمع فالعقل بعد ما رأى ذلك فلا يسعه إلاّ الحكم بالتخيير لأنّ ترك الكلّ مخالفة بلا عذر و جمعها غير مقدور و الامتثال مهما أمكن لازم فلا جرم يحكم بالتخيير ما لم يمنعه الشارع و يحكم عليه بتقديم أحدهما فما لم يحكم به عليه فلا محيص له عن التخيير و من المقرّر أنّ حكم الشارع يتوقف على الدليل و ليس فليس فظهر أنّ الأصحّ عدم حجّية الظن بالأهمّية فضلا عن الشكّ نعم العمل بالظنّ بل الاحتمال في مقام الترجيح صحيح في مقامين خارجين عن المقام (أحدهما) الأحكام الظّاهرية فإنّ الأصل فيها التساقط عند التعارض لأنّ الحكم بدخولهما جمع بين المتناقضين أو الضدّين في حكم الشارع و هو باطل و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح فلا جرم يكون الحكم التساقط مطلقا دون الترجيح و التخيير على التحقيق الّذي عليه أهله في محلّه فالعمل بهما أو بأحدهما يحتاج إلى الدّليل فإن لم يقم دليل من الخارج لا يحكم في تعارض الأحكام الظّاهرية بالتخيير و لا بالترجيح سواء كان من الأصول أو الأمارات كما حققناه في باب التعادل و التراجيح ثم إن قام به دليل من خارج على وجوب العمل بها عند التعارض أيضا يتبع مفاده فقد يكون هو الترجيح خاصّة و مع عدمه لا يحكم بالتخيير بل بالتساقط و قد يكون مع التخيير أيضا و قد ثبت في طرق الأحكام كلّ من القسمين فإنّ ظواهر الألفاظ من القسم الأوّل فإذا تعارضت وجب التحري و طلب الترجيح و لم يثبت فيها التخيير مع عدم الترجيح على ما هو الحق المختار للأكثر خلافا للشاذ و الأخبار الآحاد من القسم الثاني فقد ثبت فيها الترجيح عند التعارض أولا ثم التخيير و كذا فتوى المجتهد للمقلّد فإنّه يجب فيها أيضا الأخذ بالراجح و عليه مبنى وجوب تقليد الأعلم فإن لم يكن ثمة ترجيح فالحكم فيه هو التخيير كالأخبار في حق المجتهد هذا حال أدلّة الأحكام و أمّا الأمارات الموضوعية فلم يثبت فيها تخيير و لا
ترجيح إلاّ في خصوص تعارض البينتين في حق القاضي على بعض الوجوه المقررة في محلّها لا مطلقا فلو تعارضت البيّنتان في القبلة مثلا أو في شيء من الموضوعات لم تنفع المرجحات بل الحكم حينئذ التساقط أو التخيير في بعض المقامات ثمّ إذا ثبت وجوب العمل عند التعارض في الجملة على خلاف القاعدة التساقط و ثبت أيضا وجوب العمل بالراجح فهنا يعتبر الظنّ بالمرجح بل الاحتمال أيضا يكفي في وجوب العمل بالراجح المحتمل مطلقا سواء قلنا بالتخيير في دوران الأمر بين التخيير و التعيين أو قلنا بالاحتياط و الاشتغال أمّا على الثاني فواضح و أمّا على الأول فلأنّ التخيير المستفاد من أصل البراءة إنما هو إذا كان الأصل في المسألة البراءة أو الإباحة دون الحظر و التحريم و التعبّد بالأحكام الظاهريّة أصلا كان أو أمارة عمل بما وراء العلم المنهي عنه بالأدلّة الأربعة و لا يجوز الخروج عنه إلا بالدليل و الّذي يحتمل الرجحان مقطوع به و الآخر مشكوك فيه فيرجع فيه إلى أصالة الحرمة و هذا هو الفارق بين تعارض الأحكام الظّاهريّة و تعارض الأحكام الواقعيّة إذ المتبع في كلّ مسألة هو الأصل الجاري في تلك