بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٥ - الجزء الأوّل في المراد من الأمر
لأنّ التخيير حينئذ إنما هو بين فعل كلّ منهما و تركه إلى بدل مع قطع النظر عن كونه موصلا إليه بل على القول ببطلانه أيضا لا يصدق تعريف المباح عليهما و إن كان لهما ثالث لم ينفع القول بالمقدّمة الموصلة أيضا إذ الإيصال في الفرض المذكور لازم للترك و طلب كلّ من الفعل و الترك حينئذ و لو تخييرا لغو صرف لكونه تحصيلا للحاصل كطلب النقيضين لعدم خلو المكلّف عنهما و كذا عن الفعل و الترك الموصل مما لا ثالث لهما و مجرّد تقييد الترك بالموصل مع كونه لازما لا ينفع في تصحيح الطّلب و إن كان مغايرا للمباحث و منهم من أجاب عن الإشكال بأنّ المباح ما لا يكون في شيء من فعله و تركه مصلحة فإذا كان في فعله مصلحة و في تركه أيضا مصلحة خرج عن تعريف المباح و ممّا ذكرنا ظهر أيضا فساده إذ يستحيل أن يكون في كلّ من وجود الشيء و عدمه مصلحة للزوم التناقض إلاّ إذا كان الترك مصداقا لأمر وجودي آخر ذا مصلحة كما إذا كان فعل شيء إحسانا لمؤمن و تركه إحسانا لآخر فإن في كلّ من الفعل و الترك حينئذ مصلحة و رجحان من جهتين مغايرتين إلاّ أنّ طلبهما أيضا و لو تخييرا لغو بعد عدم خلو المكلّف عنهما نعم إذا كان الفعل و الترك أو أحدهما عبادة جاز تعلّق الأمر الوجوبي أو الاستحبابي بهما معا على سبيل التخيير و بذلك رفعوا الإشكال عن العبادات المكروهة الّتي لا بدل لها كالصّلاة في الأوقات المكروهة و الصيام المكروهة و أمّا التوصّليان فلا معنى لتعلّق الطلب الوجوبي أو الاستحبابي بكلّ من الفعل و الترك بملاحظة الجهتين للزوم العبث و اللّغوية في أصل الطّلب بخلاف التعبّديين أو الفعل التعبدي لإمكان فرض خلوّ المكلّف عن الفعل التعبّدي و الترك معا بأن يفعل من غير قربة فيصحّ حينئذ طلب فعله التعبّدي و تركه على وجه التخيير وجوبا أو استحبابا كما هو مقرّر في محلّه هذا كلّه بالنّسبة إلى الأمر الّذي يقتضي النهي (و أمّا الضدّ المنهيّ عنه) فخصّه جماعة على ما حكي عنهم منهم المحقق القمّي (رحمه الله) في القوانين بالموسّع و هو اصطلاحا ظاهر في الواجب الموسّع فيخرج ما عداه عن محلّ النزاع و لا وجه له إلاّ عدم ترتب الثمرة المعروفة و هو فساد الضدّ على ما عدا الواجب و أورد عليهم (أوّلا) بأنّ اختصاص الثمرة بالواجب لا يقضي باختصاص النزاع به حسبما عرفت في تقييد الأمر بالمضيق (و ثانيا) بظهور الثمرة في فساد المعاملة الواقعة في وقت الواجب المضيّق إذا كانت ضدّا له و مفوتا له و في حرمة أخذ الأجرة على الضدّ لأنّه من الأجود على المحرّمات مع أنّ الثمرة المعروفة جارية في المستحبّات لوضوح بطلان المستحبّ المزاحم للواجب المضيّق و إن خالف فيه صاحب الوافية و يرد على (الأولى) بأنّها مبنية على كون النهي في المعاملات مقتضيا للفساد مطلقا و المشهور عدم اقتضائه له إذا كان لأمر خارج عنها مقارنا معها كالبيع وقت النداء و ذبح الغاصب بل ادّعى الآمدي الإجماع عليه على ما حكي عنه (و أمّا الثّانية) ففيها أيضا بحث لأن حرمة أخذ الأجرة على المحرّمات لا دليل عليها سوى حديث تحف العقول و نظر الأصحاب في ذلك ليس إليه بل إلى شيء آخر و هو اشتراط القدرة على التّسليم في المعاوضات و إنما هي مبنية على فقدان شرط القدرة إذ مع النهي عن الفعل ينفي القدرة عليه لأنّه ممنوع عنه و المنع الشرعي كالمنع العقلي فيكون ما يؤخذ بإزائه بلا عوض و هو سحت و أكل للمال بالباطل و يدفعه أن العقد لو كان صحيحا ارتفع المنع الشرعي عن تسليم العمل لصيرورته حينئذ واجبا عينيّا مثل الواجب الّذي كان العمل المذكور ضدّا له فيجتمع عليه واجبان عينيان لا يقدر على امتثالهما معا بل على وجه التخيير و القدرة المعتبرة في صحّة العقود أعمّ من القدرة المقارنة للعقد و الحاصلة بعده فلو فرض القدرة بعد العقد بسبب خارجي آخر غير نفس العقد كفى ذلك في صحة العقد فكذلك القدرة الحاصلة بنفس العقد و الحاصل أن العقد بمقتضى العمومات صحيح و لازم صحته انقلاب العجز عن تسليم العمل إلى القدرة و هذا يكفي في خروج المعاملة عن السّفهية الّذي هو الداعي لجعل القدرة من شروط صحّة العقد إذ ليس اعتبار شرط القدرة لدليل تعبّدي حتى يقتصر على القدرة السّابقة أو المقارنة بل لئلاّ تكون المعاملة سفهيّة و لأن تكون قابلة للأمر بالوفاء و من الواضح حصول الشرطين بالقدرة الحادثة بعد العقد أو سببه نعم لو كان إباحة العمل شرطا مستقلاّ لا للقدرة على التسليم كما يدلّ عليه حديث تحف
العقول و ظاهر فتاوى الأصحاب أمكن القول بصحة الثمرة الثانية على إشكال و تأمّل أيضا لنحو ما قلنا من أنّ العقد إذا كان سببا لزوال سبب التحريم فلا وجه لحرمة الأجرة و إنما هو في مثل أجرة المغنية و عمل الصّنم أو الآلات أو المضمار و نحو ذلك ممّا هو محرم ذاتا و لا يزول عنوان المحرم عن عنوانه بسبب العقد الصّحيح كما نحن فيه فليس هذا من الأجرة على المحرم فليتدبّر في المقام فإنه محتاج إلى الدقة نعم الظاهر صحّة الثمرة الأخيرة و هو بطلان المستحب في وقت الواجب المضيق و خلاف صاحب الوافية هنا إن كان لإنكاره الثمرة المعروفة فهو و إن كان لخصوصية في المستحب فضعفه ظاهر و يأتي في بيان الثمرة تعرض آخر لمقالته و يمكن حمل الموسّع في كلام من قيد الضدّ بالموسّع على معناه العرفي أي ما يجوز فعله و تركه كما عن المحقق القمّي في حاشية القوانين لا الموسّع المصطلح فيعمّ المستحبات بل المباحات و هو الحقّ هذا ما يتعلّق بالواجب الضيق و الضدّ الموسّع (بقي الكلام) فيما إذا كان كلاهما مضيّقين و الكلام هنا في مقامين (الأوّل) في أن يكون أحدهما عند اللّه تعالى أهمّ من الآخر و من وجوه الأهميّة