الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣ - عصر النكسة والركود
وما ذكره شارح «المواقف» و «الشهرستاني» من تقسيم الشيعة إلى أخبارية وغيرها راجع إلى المسائل العقائدية دون الفقهية، فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبرية كاليد والاستواء والوجه وغير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات إلى طوائف ثلاث:مشبِّهة، و سلفية، و ملتحقة بالفرق الضالة.
والحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جداً مع اختلافهما في موضوع البحث، فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه، عن الأخبارية التي ابتدعها الأمين الاسترآبادي في سبيل استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، مضافاً إلى أنّ مسلكه مبني على أسس و قوائم لم تكن معروفة عند غيره.
وأمّا الشاهد الثاني أعني ما ذكره العلاّمة، فهو أيضاً لا يمتُ بصلة إلى مسلك الأخبارية المبتدَع، بل هو راجع إلى مسألة خلافية بين علماء الإمامية منذ زمن بعيد، وهو هل الخبر الواحد حجّة في الأُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟ فالمحدّثون و الذين سبروا غور الأخبار، ذهبوا إلى القول الأوّل، و الأُصوليون الذين حكَّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني.
فالأخباري في كلام العلاّمة هو ما يمارس الخبر و يدوّنه شأن كل محدّث، لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعية.
إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذة عن الكتاب والسنّة وإجماع الأصحاب الأوائل شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين، و أضحت تلك البرهة فترة ركود الأُصول و تألق نجم الأخبارية، فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخبارية، وهم بين متطرِّف كالأمين الاسترابادي، و معتدل كالشيخ يوسف البحراني (المتوفّـى ١١٨٦هـ) صاحب الحدائق الناضرة.