الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩
يجتهد فيمالم يحضره من الأحكام. [١]
إنّ الصحابي قد يسمع من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في واقعة، حكماً و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية، أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث، فحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً; ومن هذه الأسباب و أضعافِ أمثالها احتاج حتى الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث، و ضمّ بعضه إلى بعض، و الالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، و الحديث نُقِلَ والقرينة لم تنقل.
وكلُّ واحد من الصحابة، ممّن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو و محدث، و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية، أو الروايات بحسب نظره واجتهاده فهو في هذا الحال، مفت و صاحب رأي. [٢]
٣. وهناك وجه ثالث و هو انّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل والجزئيات لعدم سنوح الفرص ببيانها، أو تعذر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم، بل كان تصوّرها ـ لعدم وجودها ـ أمراً صعباً على المخاطبين، فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء أُصول كلية ذات مادة حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ و الأزمنة.
٤. انّ حياة الدين مرهونة بمدارسته ومذاكرته ولو افترضنا أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكر
[١] المقريزي: الخطط:٢/٣٣٣.
[٢] أصل الشيعة وأُصولها: ١٤٧، طبعة القاهرة .