الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٨ - الفصل الثالث مفهوم الغاية
والتحقيق أن يقال: إنّه لو كانت الغاية غاية للحكم فلا شكّ في الدلالة، كما في قوله: «كلّ شيء حلال حتّى تعلم انّه حرام» فانّ الغاية غاية للحكم بالحلية كما هي غاية للحكم بالطّهارة في قوله:«كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر» فادّعاء التبادر في أمثال ذلك ممّا لا إشكال فيه .
وأمّا إذا كانت الغاية قيداً للموضوع ومحدِّداً له كما في قولك: «سر من البصرة إلى الكوفة» فإنّه بمنزلة أن يقال: السير من البصرة إلى الكوفة واجب، ومثله قوله سبحانه: «فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلى المَرافِق» [١] فانّه بمنزلة أن يقال: غسل الأيدي إلى المرافق واجب، فالظاهر عدم الدلالة على المفهوم، إذ غاية الأمر أنّ الموضوع المقيد محكوم بالحكم، وأمّا عدم الحكم على الموضوع عند انتفاء القيد، فلا يدلّ عليه لعدم وضع لذلك، إلاّ إذا قلنا بدلالة كلّ قيد على المفهوم كمفهوم الوصف.
حكم نفس الغاية
ما ذكرناه راجع إلى حكم ما بعد الغاية، وأمّا الكلام في نفس الغاية فهل هي داخلة في حكم المغيّى أو خارجة عنه؟
فذهب المحقّق الخراساني والسيّد الإمام الخميني إلى خروجها أيضاً، ففي مثله قوله سبحانه: «فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى المَرافِق» ، فالواجب هو دون المرفق، وأمّا نفس المرفق فهو خارج عن وجوب الغسل، اللّهمّ إلاّ لأجل تحصيل اليقين بغسل ما دون المرفق واستدلّ عليه الرضي بأنّ الغاية حدّ الشيء وحدود الشيء خارجة عنه.
والأولى أن يستدلّ بالتبادر فانّ المتبادر من قوله: «تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوح فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر *سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطلَعِ الْفَجْر» [٢] فانّ المتبادر هو
[١] المائدة:٦.
[٢] القدر:٤ـ٥.