الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٤ - الفصل السابع في ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري
أقول: أمّا الأوّل فالظاهر عدم ثبوته بل ثبوت خلافه، وذلك لأنّ من عرف ربّه وعظمته، وعرف فقر نفسه، وأنّ ما يملكه من حول وقوة، وجارحة وجانحة، وما يصرفه في طريق الطاعة، كلّه مفاض منه تعالى إليه، وليس ملكاً للعبد، بل ملك له سبحانه، صدّق القول بعدم الاستحقاق، لأنّ القائل بالاستحقاق ذهب إلى أنّه يجب عليه سبحانه القيام به، وعَدّ تركه ظلماً منه للعباد، وهو لا يجتمع مع القول بأنّ المالك هو اللّه سبحانه على الإطلاق، لا غير، وأنّ جميع شؤون العبد وحوله وقوّته وإرادته وفعله ملك للّه تعالى، فما أتى به العبد ليس سوى ما أعطاه إيّاه تعالى.
وإن شئت قلت: إنّ مثَل المخلوق إلى خالقه، مثَل المعنى الحرفي إلى الاسمي فلا يملك المعنى الحرفي لنفسه شيئاً سوى كونه موجوداً غير مستقل في ذاته وفعله، وعند ذلك كيف يستحقّ شيئاً في ذمة المولى، بحيث لو لم يؤدّه يكون ظالماً في حقّه؟! وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: «يأَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد» .[١]
وأمّا التّعبير في بعض الآيات «بالأجر» الظاهر في الاستحقاق كقوله سبحانه: «وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبيرِ ».[٢]
وقوله سبحانه :«وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين» [٣] إلى غير ذلك من الآيات، فإنّما هو من باب المشاكلة نظير التعبير بالاستقراض في قوله سبحانه: «مَنْ ذَا الّذي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَريم» .[٤]
[١] فاطر:١٥.
[٢] فاطر:٧.
[٣] هود:١١٥.
[٤] الحديد: ١١.