تقريرات آية الله المجدد الشيرازي - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٦٧ - إنّ جملة القول في الأحوال المتكافئة
فإذا عرفت ذلك كله، فلنرجع إلى تحقيق الحال في الأقوال فنقول:
إنّ الحق أوسطها، أعني التوقف في الاستدلال بواحد من الأصلين على إثبات شيء من مؤداهما، و الاستدلال بهما معا على نفي الثالث، فنبتدئ أولا بذكر ضعف القولين الآخرين، ثم نحتج على ما اخترناه من البين.
أما ضعف الأوّل منهما- أعني التخيير في الاستدلال بأيّهما شاء-، فبيانه أن المراد بالتخيير فيهما، إما التخيير الواقعي الناشئ عن كون المصلحة في السلوك على طبق كل منهما:
إمّا مع عدم إمكان تدارك مصلحة كل منهما بمصلحة الآخر بأن يكون تعارضهما من باب تزاحم الواجبين، بحيث لو أمكن الجمع بينهما لكان العمل بكليهما مطلوبا، كما في كل واجبين متزاحمين، كتزاحم إنقاذ الغريقين، فيكون التخيير واقعيا عقليا ناشئا عن عجز المكلف عن الجمع بينهما.
و إمّا مع إمكان تدارك المصلحة في كل منهما بمصلحة الآخر، فيخرجان عن حقيقة التعارض، فيكون التخيير شرعيا واقعيا، كما في خصال الكفارة.
و إمّا التخيير الظاهري- الناشئ عن قيام المصلحة بأحدهما خاصّة في الواقع- الثابت بحكم العقل، كما ثبت في كلّ طريقين علم بكون أحدهما موصلا و خلوّ الآخر عن مصلحة الإيصال، مع عدم ما يرجّح كون أحدهما بخصوصه هو الطريق الموصل و إمّا بدليل شرعيّ، كما في تعارض الأخبار على المشهور، و المختار و الحق انتفاؤه في المقام بجميع معانيه الأربعة المذكورة.
أمّا التخيير الواقعي، فبطلانه بكلا قسميه في المقام أوضح من أن يذكر، إذ لا ريب أنّ العمل بالأصول اللفظية عند العرف ليس إلاّ لمجرد الكشف عن المراد، و الطريقية المحضة، و لا مرية أنّ طريقة الشارع في المحاورات- و ما يتعلّق بها- ليست طريقة مغايرة مجعولة منه، فلا تعبّد منه بالعمل بالأصول اللفظية أيضا، و لا شك أنّ تلك المصلحة- أعني الكشف و الطريقية- لا يعقل قيامها بكل من الطريقين المتعارضين، ضرورة استحالة تناقض الواقع، فلا معنى للتخيير الواقعي حينئذ بوجه، و معلوم أنّ القائل به لا يريد هذا المعنى قطعا.
و من هنا ظهر أنّه لو قلنا بالتخيير في الأصول العملية لا يلزمنا القول فيما نحن فيه، لقيام احتمال السببية في الأصول العملية، دون الأصول اللفظية، مع أنّ الحق في الأصول العملية أيضا عدم التخيير و التساقط رأسا.