ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٩٨ - نص الرسالة
و ييأس منه بالكلية، فيكون داخلا في قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس: الآية ٦٢]، لأنه منهم، و قوله تعالى: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) [الزخرف: الآية ٦٨]، و قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر: الآيات ٢٧- ٣٠]، و لا يزال في الارتقاء، قال تعالى: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) [النّجم: الآية ٤٢].
و أما التائب غير السالك فيجب عليه امتثال الكتاب و السنة، قولا و فعلا، ظاهرا و باطنا، في جميع الأحوال.
و أما غير التائب فتجب عليه التوبة في جميع المذاهب على الطريق المحمدية، و هي على الفور لا على التراخي، و مقامه على غير التوبة حرام. فكما أن الجاهل قال في حقه عليه الصلاة و السلام: «لا ينبغي له السكوت على جهله»؛ فكذلك العاصي يحرم عليه المقام على معاصي معبوده. و يجب عليه فرضا تعلّم ما يخصّه في خاصة نفسه، من إصلاح ظاهره و باطنه، بظاهر الشرع و باطنه، و هذا القدر واجب على كل مكلّف، ذكرا و أنثى، حرّا و عبدا، و المقام على الجهل بذلك حرام.
فإذا كان السالك مطالبا بالجد و الاجتهاد في المجاهدة و أدب السلوك من القول و الفعل، ظاهرا و باطنا، حسبما هو معلوم، عند أهله، و ترك ذلك و لم ينهض إلى المقام الأنفس الذي هو مقام الخلاص، ليكون من أهل الإخلاص الذين لا سبيل لعدوهم، و لا سلطان له عليهم، لأنهم عباد اللّه، و قنع بالمقام الذي لا يزال الشيطان يدور بحواليه، بل من جهاته الأربع، يوسوسه في عباداته و عاداته، فليس بصادق، و استولت عليه نفسه، إذ هي السبب له في عدم الصدق، و بواسطتها استحوذ عليه الشيطان، فصار يطوف به، يوسوسه، بل من طغيانها و عتوّها إشماخها، و عظيم مكرها، و دعواها الرياسة، تظهر له أنه من أهل الإرشاد و التربية و الدعوة إلى اللّه، فوافقها، و عيّن نفسه لذلك، و تعينه له قبل معرفته بنفسه هو عين جهله بربه. إذ لو عرف نفسه عرف ربه، فإذا عرف ربّه عرّفه ربّه، فإذا عرّفه ربّه كان وليّه، و من كان اللّه وليّه حفظه من عدوه. و ما كان اللّه ليسلك عدوّه على وليه يتحاشا مولانا عن ذلك، و يتعالى أن يوسوس عدوّه محلّ نظر جماله و جلاله، و هو قلب عبده.
و لمّا أن رضي بالمقام الدّون الذي هو مقام الجهل بالنفس، و تحققت نفسه ذلك منه، حملته على طلب مقام الرياسة بمدّ اليد إلى المصافحة، و ندب الناس لمتابعته،