ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٩٢ - نص الرسالة
و معنى قوله: «أشرك به غيري» إشارة إلى الرياء و العجب، و هما وصفان قلبيان، و من أوصاف الشيطان لعنه اللّه، محبطان لأقوال العبد و أفعاله، و كلاهما شرك و حرام عند أهل السنة و الجماعة.
فأما شرك الرياء فلكونه لاحظ في عبادته غير اللّه من خلقه، فظاهرها عبادة اللّه، و باطن فاعلها ملاحظ فيها سوى المعبود، و هو تعالى متجلّ على قلب عبده، و رقيب عليه، يعلم ما توسوس به نفسه، و هو أقرب إليه من حبل الوريد.
كيف لا و قد قال تعالى[١]: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (٩٦) [الصافات: الآية ٩٦]، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (٨) [الشّمس: الآية ٨]، أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) [الملك: الآية ١٤]؟!.
و العمل قسمان: عمل القلب، و عمل القالب. و يقال: عمل الأشباح، و عمل الأرواح. كل ذلك واحد على الجملة. فإذا عمل العبد عملا أو قال قولا؛ فرضا أو سنة أو نفلا؛ صلاة أو صياما أو صدقة أو تعلّما أو تعليما؛ أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، و لاحظ في ذلك سوى اللّه من خلقه، و لو قلّت الملاحظة، فذلك محبط مبطل[٢]، «فاللّه طيب لا[٣] يقبل إلا طيب»[٤]. و الطيب هو المخلص، و ما ليس بمخلص ليس بطيب.
و أما شرك العجب، فلأن النفس إذا أعجبها فعلها أو قولها في شيء من الأشياء المتقدم ذكرها من الفرض و السنة و سائر الخصال المذكورة و غيرها من القربات كان ذلك شركا. و بيانه أنها لما أعجبها ما صدر بسببها من قول أو فعل حميد في الظاهر نسبت ذلك و قصرت النظر فيه على ذاتها، و صوّرت لنفسها أنية[٥]، و أن هذا إنما برز عن قدرتها و إرادتها و تدبيرها و حولها و قوتها، و لم تراع مسبّب الأسباب الموجد الممدّ لها و لأقوالها و أفعالها، بل جعلت نفسها هي المسبّبة، و ذلك عين دعوى الربوبية،
[١] -خ: و اللّه تعالى يقول.
[٢] -خ: فبطل.
[٣] -خ: و لا.
[٤]« إن اللّه طيب يحب الطيب»، رواه الترمذي عن سعد، و رمز إليه السيوطي بالحسن( انظر الجامع الصغير: حديث ١٧٤٨، ١/ ١٠٩).
[٥] -هكذا في النسختين و لم أجد هذه الكلمة في« لسان العرب» بالمعنى المناسب للسياق، و لعل ابن ميمون يقصد معنى بلوغ الغاية، من قولهم:« بلغ الشيء إناه و أناه، أي غايته»( اللسان: مادة« أني»، ١٤/ ٤٨).