ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٢٨ - فصل
وجود لحواسه البتة، و لا يردّد طرفه، و يكون مراعيا همّته، و لا يحرك جزءا من بدنه، و لا ينظر نظرة في باطنه إلى تمييز، حتى تبدو له الأحوال بعد طول المراعاة.
ثم بعد حصول الأحوال لا ينبغي له الالتفات إليها، و الوقوف عليها، لئلا يحجب. و كلما استسلم[١] زاد بفضل اللّه تعالى.
و هذا هو الطريق إلى اللّه تعالى، و لا بد في هذا الطريق من طول المجاهدات، و مقاساة ما لا تحتمله الأبدان و القلوب من الشدائد. و لو حكى الإنسان ما يطرأ للعبد من المجاهدة لما صدّق، و لكن من يفتح عليه سلك، و من أريد قرّب، و من أحبّ وصل. و لو كان ما يقاسيه العبد يتكلّفه لما قدر منه على قدره.
و لقد كنت في ابتداء مجاهدتي و أوقات[٢] أحوال الذكر، لو رميت من السماء، لكان أهون علي و أيسر من أن أنام، و أتحرك للوضوء[٣]، لأنه كان يغيب عني الذكر، فيشق علي التوضؤ، لما كنت فيه[٤]، لفوات الذكر. فتدخل علي تلك المجاهدة، شئت أم أبيت، خيفة أن أرد لما عليه الناس من أحوالهم. و كان يجري عليّ أشياء في حال الذكر هي عند قوم كرامات، لكنها كانت عندي في ذلك الوقت أشدّ من الزنا، و لو ابتليت بالزنا كان أهون علي. لكني كنت أريد ألّا أنام البتّة لئلا أغيب عن الذكر لحظة. فكنت أقعد على حجر ناتىء من جدار بيتي قدر ما أضع عليه قدمي، و تحتي واد، و فوقي شاهق، حتى لا يأخذني النوم. و كنت أجد نفسي نائما مستقبل القبلة على ذلك الحجر الصغير في الهواء[٥]، من غير أن يكون تحتي شيء. و ربما كنت في المسجد أريد أن أدخل الكوفة، فيمنعني المطر، و أجهد نفسي ألا أنام، فيغلبني النوم. و إذا[٦] انتبهت وجدت نفسي في الكوفة. و كنت أجد هزة الأحوال، و لكني أعدّها غفلات، لأني كنت أقول: هذا إذا يقطعني بالنوم عن الذكر، و لا يجعل لي سبيلا إلى باطنه.
فصل
المبتدي في ابتداء أمره مجتهد، فيتباعد عنه مقصوده من الأحوال، هكذا أجرى اللّه تعالى العادة و سنّته في هذه الطائفة. حتى إذا عجز العبد، و توهم أنه لا يجيء منه
[١] -أ: لاستسلم.
[٢] -أ: مجاهدة و أقوات.
[٣] -ب: للضوء.
[٤] -ب: فيه من.
[٥] -أب: الهوى.
[٦] -ب: إن.