تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٦٦ - قيام الليل
تعصه بالنهار و هو يقيمك بين يديه في الليل فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف و العاصي لا يستحق ذلك الشرف، و كان عتبة الغلام يقول إذا توضأ من الليل قبل أن ينتصب للصلاة اللهم إني قد حملت نفسي ما لا أطيق من المعاصي و القبائح حتى استحقيت الخسف و المسخ و دخول النار و ها أنا أريد أن أقف بين يديك خلف كل عارض على وجه الأرض رجاء أن تغفر لأحد منهم فيصيبني شيء من المغفرة، و كان الحسن بن صالح يقوم الليل هو و جاريته فباعها لقوم فلما صلت العشاء افتتحت الصلاة فما زالت تصلي إلى الفجر و كانت تقول لأهل الدار كل ساعة تمضي من الليل قوموا يا أهل الدار، قوموا يا أهل الدار صلوا، فقالوا لها نحن لا نقوم إلا الفجر، فجاءت إلى الحسن بن صالح و قالت بعتني لقوم ينامون الليل كله و أخاف أن أكسل من شهود نومهم فردها الحسن إليه رحمة بها و وفاء بحقها.
و كانت رابعة العدوية تتوضأ كل ليلة و تتطيب و تقول لزوجها ألك حاجة؟ فإن قال لا قامت إلى الصباح، و كانت تقول أول الليل إلهي نامت العيون و غارت النجوم و أغلقت ملوك الدنيا أبوابها، و بابك لا يغلق فاغفر لي ثم تصف قدميها للصلاة و تقول و عزتك و جلالك هذا موقفي بين يديك إلى الصباح ما عشت، و كان سفيان الثوري يقول: عليكم بقلة الأكل تملكوا قيام الليل.
و كان ثابت البناني يصلي الليل كله و يقول لأهله: قوموا فصلوا فإن قيام الليل أهون من مكابدة أهوال يوم القيامة، و كان أبو الجويرية يقول: صحبت الإمام أبا حنيفة لا أفارقه ستة أشهر فما رأيته وضع جنبه إلى الأرض في ليلة منها، قالوا: و لم يكن لأبي حنيفة فراش في الليل، و كان سفيان الثوري يقول ما رأيت أعبد من أبي حنيفة و لا أزهد و لا أورع منه، و كان الفضيل بن عياض يقول: بلغنا أن اللّه تعالى يقول حين يتجلى من الليل أين المدعون لمحبتي في النهار أليس كل محب يحب الخلوة بحبيبه فها أنا الآن مطلع على أحبائي يكلموني على الحضور و يخاطبوني على المشاهدة و غدا أقر أعينهم في جنتي.
و كان المغيرة بن حبيب يقول: رمقت عيناي ليلة مالك بن دينار و قد انتصب بين يدي اللّه تعالى من العشاء قابضا على لحيته فما زال يبكي و يقول يا رب ارحم شيبة مالك إلى أن طلع الفجر، قال: و رمقت عبد الواحد بن زيد شهرا فرأيته لا ينام من الليل شيئا، و كان يقول لأهل الدار كل ساعة مضت من الليل يا أهل الدار انتبهوا فما هذه دار نوم عن قريب يأكلكم الدود.