تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ١٩٠ - الصدقة
رحمه المحتاج، و قد كان محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى لا يخرج صدقة فطره إلا مغربلة مطيبة، و كان إبراهيم النخعي رحمه اللّه تعالى يقول: إذا كان مشهد العبد أن جميع ما يتصدق به إنما هو ملك للّه تعالى فلا عليه و لا يضره إذا كان فيه عيب، و كان عروة بن الزبير رحمه اللّه تعالى يقول: تخيروا للصدقة فإن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا.
(قلت) فلكل رجال مشهد و كان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول: يتزوج أحدكم فلانة بنت فلان بالمال الكثيرة و لا يتزوج الحور العين بلقمة أو تمرة أو خلقه هذا من العجب، و كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يتصدق كثيرا بالسكر و يقول: إني أحبه و قد قال اللّه تعالى [لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ][١]، و كان الإمام الليث بن سعد رضي اللّه عنه يقول: من أخذ مني صدقة أو هدية فحقه علي أعظم من حقي عليه لأنه قبل مني قرباني إلى اللّه عز و جل، و كان معاذ النسفي رحمه اللّه تعالى يقول: من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب صدقته من الفقير إلى صدقته هو فهو ممن أبطل صدقته بالمن، لأنه رأى نفسه على الفقير و عند ذلك يضرب بها وجهه.
و كان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول: من أعطى درهما من مائة درهم و لم يكن هذا الدرهم أعظم و أحب إليه من بقية المائة المدخرة ردت صدقته عليه و ضرب بها وجهه، و قد كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول: لا تحقروا من الصدقة شيئا فإن الحبة منها يوم القيامة توزن بجبال الأجر، و قد أعطت رضي اللّه عنها حبة عنب لفقير فردها و كان استقلها في عينه فقالت له: أما تقرأ قوله تعالى: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ][٢] فكم من هذه العنبة من مثقال ذرة، قال: فاستغفر الرجل اه.
فاعلم ذلك يا أخي و فتش نفسك في ترك تصدقها بما فضل عن حاجتها و لا تعد نفسك من القوم إلا إن تبعتهم في أخلاقهم، و كان آخر من أدركته من أصحاب هذا المقام سيدي الشيخ محمد الشناوي و الشيخ محمد المنير و الشيخ عبد الحليم بن مصلح و الشيخ محمد بن داود و الشيخ محمد العدل و غيرهم رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، و كل هؤلاء كان ألف دينار عندهم كفلس فافهم ذلك، و الحمد للّه رب العالمين.
[١] -سورة آل عمران: الآية ٩٢.
[٢] -سورة الزلزلة: الآية ٧.