البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٨ - ج- الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية
ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: فيوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي امامة أسعد بن زرارة، فذُبحت لهم شاة فكفتهم»[١].
إذن فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية، تسير جنباً الى جنب مع الفطرة البشرية، وتنبعث طبيعياً ما دام الإنسان يحيا في جوِّ الجماعة الإنسانية، ولذا نرى انَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الإنساني في مناسباتهم الدينية المختلفة، وهذا الذي ينقله لنا (ابن تيمية) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبِّر عن هذا الواقع، وتعكسه في حياة المسلمين، بما يتناسب وينسجم مع طبيعة الأعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك، الأمر الذي يدلل على أنَّ جذور إقامة الاحتفال، والاجتماع لاحياء الذكريات الاسلامية كانت ممتدة الى بدايات عصر ظهور الدعوة الاسلامية المباركة.
ولقد كان رأي (سعيد حوّى) أكثر تحرراً واعتدالًا من آراء الآخرين في هذه المسألة، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الإسلامية عموماً وذكرى مولد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم على نحو الخصوص، بالأدلة المقنعة، وحمل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى (الابتداع)، على الرغم من أنَّه لم يبرح عاكفاً على الايمان بأنَّ (البدعة) تنقسم الى مذمومة وممدوحة، فيقول:
«والذي نقوله: أن يعتمد شهر المولد كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وشمائله فذلكَ لا حرج، وأن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فذلكَ لا حرجَ فيه، وأن يُعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فذلكَ لا حرج فيه، وانَّ مما
[١] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص: ٣٠٤.