تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦
وبعض: بمعنى التضرع إلى الله في المحن والشدائد.
لكنّ أساس جميعها هو الإيمان والتوجه إلى الله.
وبناء على هذا، يكون مفهوم الآية هكذا: إن ما يعطيكم الوزن والقيمة والقدر عند الله هو الإِيمان بالله والتوجه إليه، والعبودية له.
ثمّ يضيف تعالى: (فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً).
من الممكن التصور أن تضاداً بين بداية الآية ونهايتها، أو أنّه لا يبدو على الأقل الإرتباط والإنسجام اللازم بينهما، ولكن إذا دققنا قليلا يتّضح أنّ المقصود أساساً هو: أنّكم قد كذبتم فيما مضى بآيات الله وبأنبيائه، فإذا لم تتوجهوا إلى الله، ولم نسلكوا طريق الإيمان به والعبودية له، فلن تكون لكم أية قيمة أو مقام عنده، وستحيط بكم عقوبات تكذيبكم.(١)
ومن جملة الشواهد الواضحة التي تؤيد هذا التّفسير، الحديث المنقول عن الإمام الباقر(عليه السلام)، أنّه سُئِلَ: «كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء»؟ فقال(عليه السلام): «كثرة الدعاء أفضل وقرأ هذه الآية».(٢)
* * *
[١]ـ الآية أعلاه من الآيات التي هي مورد مناقشات كثيرة بين المفسّرين، وما قلناه في تفسيرها هو أوضح تفسير، لكن جماعة من المفسّرين المعروفين ذكروا لها تفسير آخر خلاصته هكذا.
لا اعتناء لله بكم، ذلك لأنّكم كذبتم بآياته، إلاّ أن الله يدعوكم إلى الإيمان (طبقاً لهذها التّفسير: «دعاؤكم» من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول، وفاعله ضمير يعود إلى «ربّي».
لكن طبقاً للتفسير الذي اخترناه فإن «دعاؤكم» من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر إضافة المصدر إلى الضمير هي أن تكون الإضافة إلى الفاعل، إلاّ أن تظهر قرينة على خلافه).
ثمّة تفسير ثالث لهذه الآية وهو أنّ الهدف بيان: إنّكم أيّها البشر، غالباً ما سلكتم طريق التكذيب، فلا وزن ولا قدر لكم عند الله، إلاّ لأجل تلك الأقلية مثل «عباد الرحمن» الذين يتوجهون إلى الله ويدعونه بإخلاص (هذا التّفسير وإن كان صحيحاً من ناحية المعنى والمضمون، لكنّه لا يوافق ظاهر الآية كثيراً، ذلك لأنّ الضمير في «دعاؤكم» و«كذبتم» يعود ظاهراً إلى فئة واحدة لا فئتين (فتأمل!).
[٢] ـ تفسير الصافي، ذيل هذه الآية ـ نقلوا لهذه الرّواية أيضاً تفاسير أُخرى يتفاوت يسير، نقلت أيضاً روايات أُخرى شاهدة على التّفسير أعلاه، بعضها عن أمالي الشيخ الطوسي، وبعضها عن تفسير علي بن إبراهيم ذيل هذه الآية.