تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧
في إحدى الروايات الإِسلامية، ورد تشبيه رائع للإِسراف والإِقتار وحد الإِعتدال، تقول الرّواية: تلا أبو عبد الله(عليه السلام) هذه الآية: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً). قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإِقتار الذي ذكره الله عزَّوجلّ في كتابه، ثمّ قبض قبضة أُخرى فأرخى كفَّه كلَّها، ثمّ قال: هذا الإِسراف، ثمّ أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام».(١)
كلمة «قوام» (على وزن عوام) لغة بمعنى العدل والإِستقامة والحد والوسط بين شيئين، و«قُوام» (على وزن كتاب): الشيء الذي يكون أساس القيام والإستقرار.
* * *
مسألتان ١ ـ طريقة مشي المؤمنين
قرأنا في الآيات أعلاه أنّ التواضع أحد علائم «عباد الرحمن»، التواضع الذي يهيمن على أرواحهم بحيث يظهر حتى في مشيتهم، التواضع الذي يدفعهم إلى التسليم أمام الحق. لكن من الممكن أحياناً أن يتوهم البعض في التواضع ضعفاً وعجزاً وخوراً وكسلا، وهذا النمط من التفكير خطير جدّاً.
التواضع في المشي ليس هو الضعف والخطوة الخائرة، بل إنّ الخطوات المحكمة التي تحكي عن الجدية والقدرة هي من صميم التواضع.
نقرأ في سيرة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن أحد أصحابه يقول: «مارأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كأنّما الأرض تطوى له، وإنّا لنجهد أنفسنا وإنّه لغير
[١] ـ الكافي: طبقاً لنقل تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٢٩.