تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٩١ - نظرة إجمالية لمسار الخطاب في الآيات
هذا الإنسان بالرجوع إلى ربه، و إنشاء العلاقة معه، حيث عرّفه بأنه لم يزل يرعاه، و يهتم به في كل لحظة و آن .. و أنه هو الذي يربيه و ينميه، و ينشؤه .. و يتفضل عليه بالنعم، من دون أن يقهره على شيء، بل هو يعطيه كل القدرات و كل الإمكانات، ثم يعطيه حق الاختيار، و يمكّنه من أن يتصرف في كل شيء، و أن يحدد موقفه و موقعه .. حتى لو كان ما يختاره يتعارض مع ما يريده اللّه منه، و ما يدعوه إليه ..
و تلمس في هذه الآيات المباركة كيف أنه تعالى لا يبادر إلى التهديد و الوعيد، في أسلوب قمعي، قاس، و صاعق .. بل هو يمهد إلى إخراج الإنسان من جهله و غفلته، و استكباره، و عجبه، و كفره، و ضلاله، و انحرافه، بأسلوب رضي عطوف، يهيؤه لتلمس واقعه بنفسه، ممسكا بيده برأفة، و بلطف، و عطف، مذكرا إياه بمحبة اللّه و رعايته له، مثيرا كوامن وجدانه، و بريء مشاعره و أحاسيسه، و صافي فطرته، بصورة السؤال، لا بصورة الخبر المفروض: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ..
و آيات السؤال عن الخلق و كيفياته كثيرة:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً؟!
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى[١]؟!
أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ[٢]؟!
ألم .. ألم ..
[١] سورة القيامة الآية ٣٧.
[٢] سورة البلد الآيتان ٨/ ٩.