تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٦٠ - الفطرة و الإنسان
المرآة التي تستقبل الصورة، فإنها قد لا تكون على درجة مرضية من الصفاء، و قد تعاني من بعض التلوثات، أو الندوب و التعرجات التي تمنع من استقبالها بصورة سليمة ..
غير أن هذه الفطرة، تستمر في الكمون .. إلى أن يملك الإنسان قراره و اختياره، بعد أن زوده اللّه بالهدايات، و منها: العقل، ليكون مرشدا و هاديا له .. ثم يوجه إليه الخطاب الإلهي، و يصبح مكلفا بإصلاح نفسه، و تصفيتها لتتمكن الفطرة من ممارسة دورها، حتى لا تعيقها تلك التشوهات، و لا تعمي عليها طريقها هاتيك التلوثات. فإنه بجلاء هذه المرآة تصبح الفطرة قادرة على التألق، و على التعبير عن نفسها بصورة أتم و أبه ..
و حيث يكون اللّه سبحانه قد هيأ لهذا الإنسان القدرة على التصرف في كل اتجاه، و أعطاه الاختيار و الإرادة، فقد يبادر هذا الإنسان باختياره إلى الاعتداء على فطرته و تشويهها، و إلحاق الأضرار الفادحة بها، بل و القضاء على منجزاتها، و إبطال كل جهودها و مصادرة دورها، و منعها من التأثير في صنع خصائصه، و إفساح المجال لتأثير ما عداها بها، و إخضاعها لإرادات الآخرين .. و قد ورد عن النبي [صلّى اللّه عليه و آله]:
كل مولود يولد على الفطرة إنما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، أو يمجّسانه[١].
و بذلك يكون قد تسبب في حجب الفيض الإلهي عنه، حيث يوكل إلى نفسه، و تحل به الكارثة ..
[١] منتهى المطلب ج ٢ ص ٩٣٢، و الحدائق الناضرة ج ١ ص ٤٢٥، و راجع: المجموع للنووي ج ٩ ص ٣٢٦ و المبسوط للسرخسي ج ١٠ ص ٦٢ و المغني لابن قدامة ج ١٠ ص ٤٧٣.