تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٦٥ - الأمشاجية للمزايا الإنسانية، لا المادية
و التكوين، على نحو لا بد معه من حصول السميعية و البصيرية التي هي من مظاهر الإدراك و الشعور و الوعي العميق، و الفهم للدقائق ..
فهذه الحتمية، و ذلك الترديد في الحصول تعطينا أن هذه الأمشاجية ليست من ذلك النوع الآنف الذكر، بل هي من نوع آخر.
ثانيا: إن هذا النوع من البلاء و الابتلاء، يترتب عليه صيرورة الإنسان سميعا بصيرا، كما دلت عليه فاء التفريع في قوله: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً .. و ليس ما ذكر آنفا مما يترتب عليه ذلك، لعدم وجود سنخية بين تلك الابتلاءات و بين هذه النتيجة ..
كما أنه ليس المراد أن هذا الابتلاء قد أوجب أن يجعل اللّه له حاسة السمع و البصر، إذ لو كان كذلك لقال: «فجعلناه سامعا مبصرا» ..
بل المراد: أنه قد جعل له رهافة السمع و شدته، و قوة البصر وحدته، بعد الفراغ عن أصل وجود تلك الحاسة لديه .. و الرهافة إنما هي من أوصاف حاسة السمع و البصر في مجال العمل .. و لكن لا لمجرد آليتهما التي تربط بين الإنسان، و بين الأشياء، ثم تغيب عنه، ليتدبر أمره معها، بل من حيث دورهما في عمق إدراكه للحقائق، و شدة حساسيته تجاهها و تجاه كل حالاتها و خصائصها ..
فاتضح: أن النشأة للمزايا و الكمالات المادية الحيوانية، الكامنة في النطفة من حيث تكوينها الذاتي التي اكتسبتها النطفة عن طريق الوراثة، و هي مرحلة يشارك فيها الإنسان غيره من الحيوانات- إن هذه النشأة- ليست هي المقصودة في هذه الآية، بل المقصود هو أن تلك النطفة تحمل في داخلها مزايا أخرى، تختص بإنسانية الإنسان، و منها تتكون فطرته الإنسانية، فهذه النطفة، بهذا اللحاظ، هي التي اختلطت، و تفاعلت،