تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٢٣ - ٦ - الأسير و الباذلون في اليوم الثالث
و تبريرا معقولا لرد طلبه عند العرف و العقلاء ..
ثم إنه لم يظهر من حال هذا الأسير ما يشي بصدقه فيما يدّعيه من الحاجة .. و حتى لو كان صادقا، فإن حاجته ليست بمستوى حاجة من طوى ثلاثة أيام بدون طعام، فكيف إذا كان هذا الطاوي هو طفلان صغيران. ثم كانا هما الحسن و الحسين، و معهما الزهراء، و علي أمير المؤمنين عليهم السّلام.
ثم إنه قد كان يمكنهم [عليهم السّلام] أن يعطوه بعضا من ذلك الطعام، و يحتفظوا لأنفسهم بالباقي، أو يحتفظوا بطعام الحسنين عليهما السّلام على الأقل ..
فكل هذه العوامل التي ذكرناها تدعو إلى الاحتفاظ بالطعام .. تضاف إليها العوامل المضادة و المانعة من العطاء، و من بينها ما هو قوي، و متناغم مع العواطف و المشاعر الإنسانية، و مع كثير من النقاط التي سجلناها من ابتداء الحديث إلى هنا ..
و بعد هذا كله .. فقد جاءت المفاجأة و أعطى هؤلاء الصفوة ذلك الأسير كل ما لديهم، و عرّضوا أنفسهم للأخطار الجسام. مع أنه قد كان يكفيه بعض ما أعطوه، غير أنهم أرادوا له أن يجد لنفسه قوتا في أطول زمن يمكنهم أن يمدوه بالقوت فيه ..
و البذل في مثل هذه الحالات، و بملاحظة كل تلكم الخصوصيات، هو منتهى الكمال الإنساني، و الإيماني، و الروحي، و هو الحد الذي لا يصل إليه بشر.
إلا إذا كان ذلك البشر هو الرسول الأعظم [صلّى اللّه عليه و آله] رغم أن عطاءهم في ظاهر الأمر، كان بضعة أقراص من شعير .. لكن الحقيقة هي أن في هذه الأقراص، كل حياتهم، و كل وجودهم، و كل الطهر، و الإيمان و الإخلاص ..