تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٢٥ - نعم بالإضافة إلى ذلك نقول
المباركة، فسنجد أن النقطة الحساسة و المركزية، التي تتمحور حولها الآيات الشريفة في هذه السورة، هي النشأة الطبيعية للإنسان في مسيرته التكاملية نحو اللّه سبحانه، و هي المسيرة المنسجمة مع هذا الخلق كله، بما أودع اللّه فيه من استعدادات و طاقات، محاطة بالرعاية الإلهية من البداية إلى النهاية: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً؟! ..
فقد خلقه اللّه تعالى من نطفة أمشاج اقتضت ابتلاء، ينتج رهافة في السمع، و حدّة و قوّة في البصر، ليكون إنسانا مدركا و واعيا، بل في منتهى الإدراك و الوعي «سَمِيعاً، بَصِيراً» ..
و قد أحاطه تعالى بأنواع من الهدايات، ليس فقط على سبيل الإشارة و الدلالة، بل أعطاه أيضا: الهداية التكوينية، و الإلهامية، و الفطرية، و الحسية، و الوجدانية، و العقلية و الشرعية، لكي لا يضل عن الصراط المستقيم. و تفضي به إلى السبيل الواضح إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، فلا أصح و لا أصوب، و لا أقرب إلى الهدف منه، و بذلك أصبحت الحوافز كلها متوفرة لديه، و تفرض عليه أن يلتزم بهذه الهدايات العظيمة.
فالآية الشريفة قد ركزت على هذا السير الطبيعي للإنسان، و أكدت على بيان حالاته، و خصوصياته، و أجوائه، التي لا بدّ أن تغري بالاهتمام بذلك الهدف الأسمى و السعي إليه.
أما إذا اختار التنكر لما تفرضه عليه تلك الهدايات كلها .. و أصر على الخروج على مقتضيات الفطرة، و التمرد على الوجدان، و على العقل، و الدين، و على اللّه، فهذا هو النشاز و الاستثناء، الذي لا يستحق الالتفات إليه إلا بهذا المقدار من اللفتة العابرة، ليكون دائما في موقع الخزي، و المهانة، و السقوط، و ليكون عبرة لأولي الألباب، الذين يطمحون إلى