تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي - الصفحة ١٠٧ - الباب الخامس في ذكر ورعه و زهادته (و خوفه و عبادته
قال سمعت عبد الملك بن عمر يقول حدثني رجل من ثقيف قال استعملني علي (ع) على عكبرا و قال لي اذا كان الظهر فأتني قال فأتيته فلم أجد أحدا يحجبني عنه و وجدته جالسا وحده و بين يديه قدح من خشب و كوز من ماء فدعى بجراب مختوم فقلت لقد ائتمنني حيث يخرج إلي جوهرا و لا أعلم ما قيمته فكسر الخاتم فاذا فيه سويق فاخرج منه وصب في القدح ماء و ذره عليه ثم شرب و سقاني فلم اصبر و قلت يا أمير المؤمنين قد وسع اللّه عليك و الطعام بالعراق كثير فقال و اللّه ما ختمت عليه بخلا و انما ابتاع قدر كفايتي و أخاف ان يفنى فيوضع فيه من غيره و انما افعل هذا لئلا يدخل بطني غير طيب.
و قال احمد في الفضائل: حدثنا حسن الأشيب أنبأنا ابن شعبة حدثنا عبد اللّه بن هبيرة عن عبد اللّه بن رزين قال: دخلت على علي (ع) يوم أضحى فقرب الي خزيرة فقلت يا أمير المؤمنين قد اكثر اللّه الخير فقال يا ابن رزين سمعت رسول اللّه (ص) يقول لا يحل للخليفة من مال اللّه إلا قصعتان قصعة يأكلها هو و أهله و عياله و قصعة يضعها بين يدي الناس و الخزيرة ان يصب في القدر ماء كثير و يقطع اللحم صغارا فاذا نضج ذر عليه شيء من دقيق و كذا الخزير.
و أخبرنا عبد الملك بن مظفر بن غالب الجزي أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا المبارك ابن عبد الجبار و عبد القادر بن محمد قالا أنبأنا أبو اسحاق البرمكي أنبأنا أبو بكر بن نجيب حدثنا أبو جعفر بن علي حدثنا هناد عن وكيع عن ابن ثعلبة عن سويد بن غفلة قال دخلت على علي (ع) في هذا القصر يعني قصر الامارة بالكوفة و بين يديه رغيف من شعير و قدح من لبن و الرغيف يابس تارة يكسره بيده و تارة بركبتيه فشق علي ذلك فقلت لجارية له يقال لها فضة أ لا ترحمين هذا الشيخ و تنخلين له هذا الشعير اما ترين نشارته على وجهه و ما يعاني منه فقالت لأي شيء يوجر هو و نأثم نحن انه عهد الينا ان لا ننخل له طعاما قط فالتفت الي و قال ما تقول لها يا ابن غفلة فاخبرته و قلت يا أمير المؤمنين ارفق بنفسك فقال لي ويحك يا سويد ما شبع رسول اللّه (ص) و أهله من خبز بر ثلاثا حتى لقي اللّه و لا نخل له طعام قط و لقد جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا فخرجت اطلب العمل فاذا بامرأة قد جمعت مدرا تريد ان تبله فقاطعتها على دلو بتمرة فمددت ستة عشر دلوا حتى مجلت يداي، و في رواية فتحت ثم اخذت التمر و أتيت رسول اللّه (ص) فاخبرته فاكل منه.