تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي - الصفحة ١٠٦ - الباب الخامس في ذكر ورعه و زهادته (و خوفه و عبادته
أبو اسحاق البرمكي حدثنا أبو بكر بن نجيب حدثنا أبو جعفر بن علي حدثنا هناد عن وكيع عن الاحنف بن قيس قال دخلت على معاوية فقدم الي من الحلو و الحامض ما كثر تعجبي منه ثم قال قدموا ذاك اللون فقدموا لونا ما أدرى ما هو فقلت ما هذا فقال مصارين البط محشوة بالمخ و دهن الفستق قد ذر عليه السكر قال فبكيت فقال ما يبكيك؟ فقلت للّه در ابن أبي طالب لقد جاد من نفسه بما لم تسمح به أنت و لا غيرك فقال و كيف؟ قلت دخلت عليه ليلة عند افطاره فقال لي قم فتعش مع الحسن و الحسين ثم قام الى الصلاة فلما فرغ دعى بجراب مختوم بخاتمه فاخرج منه شعيرا مطحونا ثم ختمه فقلت يا أمير المؤمنين لم اعهدك بخيلا فكيف ختمت على هذا الشعير فقال لم اختمه بخلا و لكن خفت أن يبسه [١]الحسن و الحسين بسمن او أهالة [٢]فقلت احرام هو قال لا و لكن على أئمة الحق أن يتأسوا باضعف رعيتهم حالا في الأكل و اللباس و لا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير فيرضى عن اللّه تعالى بما هو فيه و يراهم الغني فيزداد شكرا و تواضعا.
و قال الأحنف بن قيس: جاء الربيع بن زياد الحارثي الى علي (ع) فقال يا أمير المؤمنين اعدلي على أخي عاصم بن زياد فقال ما باله فقال لبس العباءة و تنسك و هجر أهله فقال علي به فجاء و قد ائتزر بعباءة و ارتدى باخرى اشعث اغبر فقال له ويحك يا عاصم اما استحييت من أهلك اما رحمت ولدك أ لم تسمع الى قوله تعالىوَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِأ ترى اللّه أباحها لك و لأمثالك و هو يكره ان تنال منها اما سمعت قول رسول اللّه (ص) ان لنفسك عليك حقا. الحديث فقال عاصم فما بالك يا أمير المؤمنين في خشونة ملبسك و جشوبة مطعمك و انما تزيّيت بزيك فقال ويحك ان اللّه فرض على أئمة الحق ان يتصفوا باوصاف رعيتهم أو بافقر رعيتهم لئلا يزدري الفقير بفقره و ليحمد اللّه الغني على غناه.
و أخبرنا غير واحد عن محمد أبي القاسم قال: أنبأنا احمد بن احمد أخبرنا أبو نعيم احمد بن عبد اللّه الحافظ أنبأنا الحسن بن علي الوراق حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عمرو بن تميم حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر
[١] البس: اتخاذ البسية، بأن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن.
[٢] الأهالة: الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت و كل ما ائتدم به. ق.