تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي - الصفحة ١١٣ - الباب الخامس في ذكر ورعه و زهادته (و خوفه و عبادته
الواحد بن عمرو الأسدي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح قال دخل ضرار بن ضمرة على معاوية فقال له يا ضرار صف لي عليا فقال أو تعفني قال لا أعفيك قالها مرارا فقال ضرار أما إذ لا بد فكان و اللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و ظلمته كان و اللّه غزير الدمعة كثير الفكرة يقلب كفه و يخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب كان و اللّه كأحدنا يجيبنا اذا سألناه و يبتدئنا اذا أتيناه و يأتينا اذا دعوناه و نحن و اللّه مع قربه منا و دنوه الينا لا نكلمه هيبة له و لا نبتديه لعظمه فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين و يحب المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة و قد أرخى الليل سجوفه و غارت نجومه و قد مثل قائما في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و كأني اسمعه و هو يقول: يا دنيا غري غيري ابي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كبير آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق. قال فذرفت دموع معاوية على لحيته فلم يملك ردها و هو ينشفها بكمه و قد اختنق القوم بالبكاء ثم قال معاوية رحم اللّه أبا حسن فقد كان و اللّه كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها.