أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و الرواة عنه - الأميني، محمد هادي - الصفحة ٤٩ - آراء رجال الحديث في رواة أمير المؤمنين
و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق، أن لا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ، و أهل بيته شهادة. و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، و محبيه، و أهل ولايته، و الذين يروون فضائله و مناقبه فأدنوا مجالسهم، و قربوهم و أكرموهم، و اكتبوا لي بكل ما يروي كلّ رجل منهم، و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.
ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصّلات، و الكساء، و الحباء، و القطائع، و يفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في المنازل، و الدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلّا كتب اسمه و قرّبه و شفّعه، فلبثوا بذلك حينا.
ثم كتب إلى عمّاله، إنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر، و في كلّ وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، و الخلفاء الأولين، و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا و تأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ، و أقرّ لعيني، و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته و أشد إليهم من مناقب عثمان و فضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و ألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه و تعلّموه، كما يتعلّمون القرآن، و حتّى علّموه بناتهم، و نساءهم، و خدمهم، و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.
ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان، انظروا من قامت عليه البينة أنّه يحب عليّا و أهل بيته، فامحوه من الديوان، و أسقطوا عطاءه و رزقه، و شفع ذلك بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به و اهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق، و لا سيّما بالكوفة حتّى إنّ الرجل من شيعة عليّ (عليه السلام)، ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه و يخاف من خادمه و مملوكه، و لا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه، فظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء، و القضاة، و الولاة، و كان