أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و الرواة عنه - الأميني، محمد هادي - الصفحة ١٤ - مدرسة الإمام أمير المؤمنين
و قال سعيد بن المسيب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني. إلّا عليّ ابن أبي طالب، و كان إذا سئل عن مسألة يكون فيها كالسكة المحماة، و يقول:
إذا المشكلات تصدّين لي* * * كشفت حقائقها بالنظر
فإن برقت في مخيل الصّو* * * اب عمياء لا يجتليها البصر
مقنعة بغيوب الأمور* * * وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبيّ* * * أو كالحسام اليماني الذكر
و قلبا إذا استنطقته الفنو* * * ن أبرّ عليها بواه درر
و لست بإمعة في الرّجا* * * ل يسائل هذا و ذا ما الخبر
و لكنّني مذرب الأصغرين* * * أبيّن مع ما مضى ما غبر [١]
قال ابن أبي الحديد: فأما فضائله (عليه السلام)، فإنّها قد بلغت من العظم و الجلالة و الانتشار و الاشتهار، مبلغا يسمح معه التعرّض لذكرها، و التصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء، لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان- وزير المتوكل، و المعتمد- رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، و القمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أنّي حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، و وكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
و ما أقول في رجل، أقرّ له أعداؤه و خصومه، بالفضل و لم يمكنهم جحد مناقبه، و لا كتمان فضائله، إنّه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام، في شرق الأرض و غربها، و اجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، و التحريض عليه، و وضع المعايب و المثالب له، و لعنوه على جميع المنابر، و توعدوا مادحيه، بل حبسوهم، و قتلوهم، و منعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلّا رفعة و سموّا، و كان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، و كلما كتم تضوّع نشره، و كالشمس لا تستر بالراح، و كضوء النهار، إن حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة.
[١] الغدير ٦/ ١٩٤.