الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٢٤١ - المتن
ألا و إني فاطمة بنت محمد، أقولها عودا على بداء، و لا أقول إذ أقول سرفا و لا شططا، و ها أنا قائلة فاسمعوا ما أقول بأسماع واعية و قلوب ناهية: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». [١] فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم. فبلغ بالنذاره، و صدع بالرسالة، مائلا عن مدرجة الناكثين، ناكبا عن سنن المشركين، ضاربا لأثباجهم، آخذا بأكظامهم، يجذّ الأصنام، و ينكت الهام، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، حتى انهزم الجمع و ولى الدبر، و حتى تولّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» [٢]، مذقة الشارب، و نهزة الطاعن، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الرنق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم. فأنقذكم اللّه بنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» [٣]، و كلما نجم ناجم بالضلال أو فغرت فاغرة للمشركين، قذف أخاه في لهواتها. فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحد سيفه، مكدودا دءوبا في ذات اللّه عز و جل، و أنتم وادعون في رفاهية آمنون، تتوكّفون الأخبار، و تنكصون عن النزال، و ترمقون ما يصير إليه الحال.
حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و محلّ أصفيائه، ظهرت حسكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم، و نبغ خامل، و هدر فنيق الباطل، يخطر في عرصاتكم.
فأطلع الشيطان رأسه من مغرسه صارخا بكم، فوجدكم لدعوته مستجيبين، و للغرة ملاحظين، و استنهضكم فوجدكم إليه سرّعا، و أحمشكم فألفاكم لدعوته غضابا.
فوسمتم غير إبلكم، و أوردتم غير شربكم، هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب و الجرح لمّا يندمل، و الرسول لمّا يقبر، إنذارا زعمتم خوف الفتنة: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
[١]. سورة التوبة: الآية ١٢٨.
[٢]. آل عمران: الآية ١٠٣.
[٣]. سورة المائدة: الآية ٦٤.