القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٧٧ - تنبيه الاختلاف في جواز خلو العصر عن المجتهد
و تحقيق هذا المطلب أنّه لم يعلم من النّواميس الإلهيّة و الطّريقة المستقرّة في سلوكه مع عباده لزوم تبليغ الأحكام و الشّرائع السّمعية الى كلّ أحد من العالمين في كلّ عصر و مصر بحيث لم يشذّ منهم واحد، بل [كان] يكتفي بالبلوغ الى الأغلب فيما جرت [١] العادة ببلوغه إيّاهم، بل يكتفي بالبلوغ في الجملة، كما هو المشاهد في حال نبيّنا محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم، إذ من المعلوم أنّه لم يصل كلّ طريقة الإسلام الى جميع أطراف العالم في عصره (صلى الله عليه و آله) و سلم، بل و لا الى جميع آحاد المكلّفين في الأمصار القريبة منه.
و كذلك الحال في الأئمة عليهم الصلاة و السلام بعده، بل الأمر فيهم أظهر و أجلى، لعدم اقتدار أغلبهم على نشر الأقلّ من التّكاليف أيضا.
و كذلك لم تجر العادة بأخذ الحاضرين عنده و عندهم (عليهم السلام) جميع ما بلّغوه على ما هو عليه في نفس الأمر، بل كانوا يكتفون عنهم بما يفهمونه و يقرّرونهم على ذلك، كما أشرنا إليه مرارا، سيّما في مباحث خبر الواحد.
فلزوم الرّجوع الى المجتهد الحيّ على القول به إنّما هو مع الإمكان، و على قدر ما جرت [٢] العادة بوصول حكمه الى المقلّدين.
و هذا فعلى القول بجواز تقليد الميّت فربّما لا يتمكّن المكلّفون على الرّواية عن الموتى أيضا، و لا على درك مقاصدهم من كتبهم أو لا يجدون من الكتب شيئا.
فلا فائدة في تجويز تقليد الموتى للفرار عن الإشكال المذكور أيضا.
فمقتضى سيرة اللّه تعالى مع عباده على ما هو مقتضى العدل و العقل و المشاهدة بالعيان، هو العمل على ما علم أنّه من اللّه تعالى، سواء كان باليقين المصطلح أو
(١- ٢) في نسخة الأصل (جرى).