القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٧٣ - قانون لا يشترط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بلا خلاف ظاهر بينهم و الكلام في تقليد الميّت
الواقع، فكيف يعارض به الظنّ الحاصل من الإجماع المنقول على عدم جواز العمل بتقليد الميّت كما مرّ نظيره.
فحاصل التّحقيق في المسألة، أنّ المقلّد أيضا كالمجتهد، بناؤه على العمل بالظنّ لا محض التعبّد في تقليد المجتهد و ما يتوهّم أنّ المقلّد لا يتفطّن غالبا لأنّ عمله على قول المجتهد من جهة أنّه مظنون أنّه حكم اللّه تعالى، بل إنّما يعمل لأنّه يحسب إجمالا أنّ العمل بما يقوله حكم اللّه تعالى في حقّه، لا أنّ الأحكام الخاصّة كلّ واحد واحد منها بالخصوص مظنون له أنّه حكم اللّه تعالى، فهو فاسد إذ الدّاعي على المتابعة هو الإتيان بما أراد اللّه تعالى منه في كلّ واقعة، و قد شبّ على هذا المعنى من الفطام الى أن شاب فيه، فإنّ الطّفل في أوّل الإدراك يجزم بأنّ ما علّمه أمّه و أبوه هو نفس حكم اللّه تعالى في الواقع فضلا عن حصول الظنّ به، و كذلك يترقّى على هذا الحال و يبدّل معلّمه بمعلّم آخر أعلم من الأوّل، الى أن يصل الى حدّ تقليد المجتهد، فلو لم ندّع أنّه جازم بأنّه حكم اللّه تعالى، فلا نصغي الى قولك:
فإنّه غير ظانّ، فإذا آل الأمر الى العمل بالظنّ فكلّ ما حصل له الظنّ بعد سدّ باب العلم فهو تكليفه سواء كان ذلك بتقليد الحيّ أو الميّت، و سواء انحصر ظنّه في شخص أو اختار أحد الظّنون المتساوية لعدم المرجّح.
ثمّ إنّ العمل بكتب الموتى ليس عين تقليد الميّت، فإنّه في الغالب اجتهاد في فهم مرادهم، و هو في غاية الصّعوبة، إن لم يبلغ رتبة الاجتهاد، و لذلك فصّل بعض علمائنا و هو الشيخ ركن الدّين محمّد بن عليّ الجرجاني في «شرح المبادئ» على ما نقل عنه قال: و الأشبه أن يقال: إنّ المستفتي إن وجد المجتهد لم يجز له الاستفتاء من الحاكي سواء كان عن حيّ أو ميّت لأنّه مكلّف بالأخذ بأقوى الظّنّين، فيتعيّن عليه كالمجتهد فإنّه يجب عليه العمل بأقوى الدّليلين، فإن لم يجد،