القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٠٩ - الحادي عشر في الملكة المستقيمة
روايتان صحيحتان رواهما البزنطيّ عن الرضا (عليه السلام) و هما مذكورتان في آخر «السّرائر».
ثمّ إنّ تحقّق هذه الملكة و استقامتها و جواز الاعتماد عليها كما ذكره بعض المحقّقين، يستدعي أمورا:
منها: عدم اعوجاج السّليقة، و قد مرّ الإشارة إليه.
و منها: أن لا يكون جربزيا [١] لا يقف ذهنه على شيء، و لا بليدا لا يتفطّن بالدّقائق و يميل الى كلّ ناطق حيّ، بل لا بدّ أن يكون له ثبات فيما يرجّحه و يرتضيه، و ذلك لا ينافي جواز تبدّل الرّأي مع تجديد النّظر، و أن يكون فطنا حاذقا ينقل ما ورد عليه من المسائل الى مظانّها و مأخذها، و يعود من تلك المآخذ الى تلك المسائل.
و منها: أن لا يكون جريئا [٢] في الفتوى غاية الجرأة، و لا مفرّطا في الاحتياط، فإنّ الأوّل يهدم المذهب و الدّين، و الثّاني لا يهدي الى سواء الطّريق و لا يقضي حاجة المسلمين، بل ربّما يشوّه الدّين و يشوّش الشّرع المبين.
و منها: أن لا يكثر من التّوجيه و التّأويل، و لا يعوّد نفسه بذلك، فإنّه ربّما يجعل بذلك الاحتمال البعيد من الظّواهر لأنسه بذلك، فإنّ للأنس بكلّ طريقة أثرا بيّنا في إزلال [٣] الذّهن و إضلال الفكر عن الصّراط السّوي.
[١] معرّب عن كربز بضمّ الكاف الفارسية، و تأتي تارة بمعنى الفهيم في الغاية، و يقال للطرف الإفراطي من الحكمة كربزي و جربزي، و الطرف التّفريطي الخمود و البلادة فالحكمة هي الاعتدال بينهما.
[٢] في نسخة الأصل (جريّا).
[٣] في نسخة الأصل (إذلال) و الذي يبدو لي أنّ ما اثبتناه أصح. و هي من حمله على الزّلل و هو الخطاء و الذّنب يقال: استزلّني الشّيطان أي أزلّني و خدعني.