القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤٧٥ - السّادس معرفة أصول الفقه،
الاحتياط و التّوقّف قطعا من أيّ جهة؟ و ما وجهه؟
مع أنّا قد حقّقنا أنّه لا مناص عن العمل بالظنّ، و أنّ ظنّ المجتهد ممّا لا مناص عن العمل به، و بيّنا ذلك في مباحث أخبار الآحاد بما لا مزيد عليه، و سنبيّنه أيضا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و منها: أنّ البديهة حاكمة بوجوب العمل بأوامر الشّرع و نواهيه، و من علم العلوم العربية فهو ممّن يفهم الأوامر و النّواهي، فالحكم عليه بوجوب التّقليد المنهيّ عنه بمجرّد جهله بمسائل الأصول ممّا لا دليل عليه، بل لا عذر له في التّقليد، و ليس مثله مع التّقليد إلّا مثل شخص حكّمه ملك على ناحية و عهد إليه أنّه متى أخبره ثقة بأنّ الملك امرك بكذا و نهاك عن كذا فعليك بالطّاعة و العمل بالأمر و النّهي، و بيّن له المخلص عند تعارض الأخبار، فهو يترك العمل بما سمع من الأوامر و النّواهي من الثّقات معلّلا بجهله بمسائل الأصول و المنطق، فإنّ استحقاقه للذمّ حينئذ ممّا لا ريب فيه.
أقول: دعوى بداهة وجوب العمل بالأوامر و النّواهي علينا مع عدم تجويزهم العمل بظواهر الكتاب، و النّزاع العظيم بين العلماء في حجّية أخبار الآحاد، و دعوى جماعة من الفحول الإجماع على عدم الجواز غريب.
و ما ذكره إنّما يتمّ لو ثبت كون ما ورد في الأخبار، أمر الشّارع لا غيره، و متوجّها إلينا لا الحاضرين، و غاية ما يمكن دعوى الظنّ بكونه أمر الشّارع، و ستعلم ضعف ما يدّعونه من قطعيّة أخبارنا بما لا مزيد عليه، مع أنّ من يفهم العربيّ إنّما يفهم من هذه الأخبار ما هو موافق لعرفه و اصطلاحه، لا ما يفهمه المخاطبون بتلك الخطابات، و إنّما الحجّة هو ما أراده المعصوم (عليه السلام) و فهمه منه المخاطبون الّذين وافق اصطلاحهم له (عليه السلام). و فهم مرادهم لا يتمّ إلّا بمعرفة كثير