القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤١٨ - الأوّل المراد بالدليل عند من يقول بوجوب المعرفة بالدّليل لا بالتّقليد
يتفطّنون بها و كيفيّة ترتّبها، و ذلك لا يوجب عدم حصول اليقين لهم أو عدم ترتّب يقينهم على تلك المبادئ، بل و كثير من المعلومات ممّا لا يعلم العالم بها أنّه يعلمها، و ذلك لا يوجب عدم العلم بها، فقد تراهم يفرّون عن تحت الحائط المائل مخافة السّقوط، و ذلك مبتن على ما في ذهنهم من أنّ هذا الحائط مائل و كلّ حائط مائل ممّا يترقّب سقوطه، فهذا ممّا يترقّب سقوطه، و لكن لا يتذكّر حين الفرار هذه المقدّمات و لا يترتّبها في الذّهن هذا التّرتيب بالتّفصيل حتّى يقال: إنّه استدلال بالبرهان المنطقيّ التّفصيليّ، بل هو استدلّ بذلك البرهان إجمالا، فما دعاه الى الفرار هو إجمال المقدّمتين لا تفصيلهما.
و لا نقول: إنّ الباعث على الفرار هو ملاحظة محض الجدار الخاصّ، فإذا طولب ذلك العاميّ بدليل الفرار و أوخذ بأنّك لا تعرف البرهان المنطقيّ و شرائطها فكيف حصل لك العلم أو الظنّ بذلك لضحك العقلاء بذلك المطالب المؤاخذ، بل هذا الكلام تضحك منه الثّكلى.
و مطالب العقلاء متشابهة، و كلّها مبتنية على المبادئ المناسبة لها، بل لا أستبعد أن أقول بوجود تلك المبادئ و حصول الاستدلال للبهائم، فلاحظ الكلب إذا انحنيت الى الأرض لترفع حجرا كيف يفرّ، و الظّاهر أنّ الدّاعي له على ذلك هو المقدّمتان، يعني هذا الشّخص يريد أن يضربني، و كلّ من يريد ضربي يجب الفرار منه، فيجب الفرار منه، و تخصيص المعارف الخمس و اليقين بها بالدّليل التّفصيليّ دون سائر المطالب المعقولة، لا وجه له، إذ ذلك ليس من الأمور التعبديّة حتّى يخصّ بالنصّ مع عدم نصّ على لزومه أيضا، و هذا هو المراد بالدّليل الإجماليّ.
و إن شئت توضيح الحال فقس حال العلم بالعمل، و الدّليل على النيّة، فكما أنّ التّحقّق في نيّة العمل هو الدّاعي الى الفعل لا المحضر بالبال، فكذلك فيما نحن فيه،