القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٦٩ - اختلاف العلماء في جواز التّقليد في الاصول و عدمه
و على فرض كفاية الجزم مطلقا هل يلزم المطابقة للواقع أو لا؟
و قد مرّ الكلام في كثير من هذه الأقسام، و النّزاع في المقام الأوّل بين مثبتي الصّانع و منكريه، و في المقام الثّاني بين الحكماء و الإماميّة و المعتزلة و بين الأشاعرة.
فالأشاعرة يقولون بالثّاني، و الباقون بالأوّل.
و الثّالث هو المسألة المبحوث عنها.
فالمقام الأوّل يستغنى عن البحث عنه بالبحث في المقام الثّاني.
و أمّا المقام الثّاني، فهو أنّ الإماميّة و المعتزلة و الحكماء يقولون بوجوبه عقلا.
أمّا الحكماء فنظرهم في معرفة الأشياء بالذّات، و لا يقولون بشريعة حتّى يقع الخلاف بينهم في كونه شرعيّا أم لا، فينحصر طريقة إثباته في العقل.
و طريقه أنّ كلّ عاقل يراجع نفسه يرى أنّ عليه نعماء ظاهرة و باطنة، جسميّة و روحانيّة ممّا لا يحصى كثرة و لا يشكّ و لا يريب أنّها من غيره.
فهذا العاقل إن لم يلتفت الى منعمه و لم يعترف له بإحسان و لم يذعن بكونه منعما و لم يتقرّب الى مرضاته، يذمّه العقلاء و يستحسنون سلب تلك النّعمة عنه، و هذا معنى الوجوب العقليّ.
و أيضا إذا رأى العاقل نفسه مستغرقة بالنّعم العظام، يجوّز أنّ المنعم بها قد أراد منه الشّكر عليها، و إن لم يشكرها يسلبها عنه، فيحصل له خوف العقوبة، و لا أقلّ من سلب تلك النّعم و دفع الخوف عن النّفس واجب مع القدرة، و هو قادر على ذلك، فلو تركه كان مستحقّا للذّم.
فإذا ثبت وجوب شكر المنعم و وجوب إزالة الخوف عن النّفس، و هو لا يتمّ إلّا بمعرفة المنعم حتّى يعرف مرتبته ليشكره على ما يستحقّه، فهذا دليل على وجوب