التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٤ - قوله تعالى
ثم اخبر تعالى أنه لما قضى على سليمان الموت وقدره عليه وقبضه اليه لم يعلموا بذلك من حاله حتى دلهم على موته دابة الارض وهي الارضة، فأكلت عصاه فانكسرت، فوقع لانه روي أنه قبض وهو في الصلاة، وكان قال للجن اعملوا ما دمتم تروني قائما، واتكأ على عصاه من قيام، وقبضه الله اليه وبقي مدة فيجئ الجن فيطالعونه فيرونه قائما فيعودون فيعملون إلى أن دبت الارضة فاكلت عصاه فوقع وخر، فعلموا حينئذ موته وتبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم من موت سليمان لم يلبثوا في العذاب الذي أهانهم وأذلهم والمنسأة العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه قال أبوعبيدة: معنى " تبينت الجن " أي أبانت الجن للناس " أن لو كانوا " الجن " يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " والمنسأة أصلها الهمزة من نسأت إلى سقت، وقد يترك الهمز، قال الشاعر:
إذا دببت على المنساة من هرم * فقد تباعد عنك اللهو والغزل [١]
إلا أنه يترك همزها، كما يترك في (البرية) وهي من برأت، وقيل: إنه كان متوكئا على عصاه سنة لا يدرك أنه مات. وقيل: المعنى " فلما خر تبينت " جماعة من عوام " الجن " أغواهم مردتهم أن المتمردين " لو كانوا يعلمون الغيب " لانهم كانوا يقولون لهم نحن نعلم الغيب، وفي قراءة أهل البيت " فلما خر تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " قالوا: لان الجن كانت تعلم أنها لا تعلم الغيب قبل ذلك. وإنما تبينت الانس ذلك من حال الجن.
ثم اخبر تعالى فقال " لقد كان لسبا في مسكنهم آية " أي دلالة وعلامة
[١] تفسير الطبري ٢٢ / ٤٤ والقرطبي ١٤ / ٢٧٩ (*)