الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٠٨ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


في أكثرها ، فإن كان القياس حقا فقد أخطأوا بتركه وهم يعلمونه ، وإن كان باطلا فقد أخطأوا باستعماله ، فهم في خطأ متيقن إلا في القليل من أقوالهم .
وقال بعضهم : لا نقيس على شاذ .
قال أبو محمد : وهذا تحكم فاسد ، لأنه ليس شئ في الشريعة شاذا ، تعالى الله أن يلزمنا الشواذ ، بل كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فهو حق ، والحق لا يكون شاذا ، وإنما الشاذ الباطل .
وقال بعضهم : لا نقيس على فرع .
قال أبو محمد : وهذا كالأول ، ولا فرع في الشريعة ، وكل ما جاء نصا أو إجماعا فهو أصل ، فأين ههنا فرع ؟ لو أنصف القوم أنفسهم ؟ .
وقال بعضهم : الحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا .
قال أبو محمد : وما الفرق بينهم وبين من قال بل العبادات وأحكام الفروج لا تؤخذ قياسا ، وكل من فرق بين شئ من أحكام الله تعالى فهو مخطئ ، بل الدين كله لا يحل أن يحكم في شئ منه بقياس ، على أنهم قد تناقضوا وقاسوا في البابين ، وأوجبوا حد اللوطي قياسا ، وأوجبوا كفارات كثيرة قياسا ، والقوم متناقضون تناقضا يشبه اللعب والهزل : أعوذ بالله مما امتحنوا به .
فإن قال قائل : وأنتم قد تركتم حديثا كثيرا .
قلنا لهم : وبالله تعالى التوفيق : كذبتم وأفكتم ، ولا يوجد ذلك من أحد منا أبدا إلا أربعة أوجه لا خامس لها :
إما لقيام البرهان على نسخه أو تخصيصه بنص آخر ، وهذا لا يحل لاحد .
وإما أنه لم يبلغ إلى الذي لم يقل به منا ، وهذا عذر ظاهر و * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * .
وإما أن بعضنا يرى ترك كل ما رواه المدلس إلا ما قال فيه حدثنا أو أنبأنا وهذا خطأ ، وبعضنا يرى قبول جميع روايته إذا لم يدلس المنكرات إلى الثقات ، إلا ما صح فيه تدليسه ، وبهذا نقول وعلى كل ما ذكرنا البرهان ، والبرهان لا يتعارض ، والحق لا يعارضه حق آخر .
وإما أن بعضنا يرى ترك الحديثين المتعارضين ، لأنه لم يصح عنده الناسخ ،