الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٥٦ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


وكل هذا ، فالقول به على الله تعالى في الدين حرام . مقرون بالشرك أمر من أمر إبليس . إلا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو الحق الذي نقوله على الله تعالى .
ولا يحل لنا أن نقول عليه غيره ، فإذ لم يأمرنا عليه السلام بالقياس فهو حرام من أمر الشيطان بلا شك ، وقد بينا فيما خلا ، كل ما شغبوا مما أرادوا التمويه به فيه بالحديث فحرم القول بالقياس البتة .
وبهذا بطل كل قول بلا برهان على صحته ، حتى لو لم يقيم برهان بإبطاله ، فلو لم يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ، لان الفرض علينا ألا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان ، وإذ ذلك كذلك فالفرض علينا أن نبطل كل قول قيل في الدين ، حتى يقوم برهان بصحته ، وهذا برهان ضروري لا محيد عنه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد اعترض بعضهم في قول الله تعالى * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي وبما روي عن عائشة رضي الله عنها قولها : لم يكن الوحي قط أكثر منه قبيل موت النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :
هذه أشياء زائدة على ما كان حين قوله تعالى في حجة الوداع : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * .
واعترض آخرون من أهل الجهل على الحديث المذكور بالآية المذكورة ، وصوبوا فعل عمر وقوله في ذلك اليوم .
قال أبو محمد : وهذان الاعتراضان من هاتين الطائفتين لا يشبهان اعتراض المسلمين ، وإنما يشبهان اعتراض أهل الكفر والالحاد ، وبعيد عندنا أن يعترض بهما مسلم صحيح الباطن ، لان الطائفة الأولى مكذبة لله عز وجل في قوله إنه أكمل ديننا ، مدعية أنه كانت هنالك أشياء لم تكمل ، والطائفة الثانية مجهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدعية عليه الكذب في أمر الكتاب الذي أراد أن يكتبه ، أو التخطيط في كلامه ، وأن قول عمر أصوب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلا هذين القولين كفر مجرد .
وكل هذه النصوص حق لا تعارض بين شئ منها بوجه من الوجوه ، لان