الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٥٤ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


ويقال لهم وجدنا مسائل كثيرة قد أجمعتم وأنتم وجميع الأمة على ترك القياس فيها ، كقاتل تاب قبل أن يقدر عليه وندم ، فلا يسقط عنه القصاص عند أحد ، ولم تقيسوا ذلك على محارب تاب قبل أن يقدر عليه ، فالحد في الحرابة عنه ساقط ، وكذلك اتفقوا على ألا يقاس الغاصب على السارق ، وكلاهما أخذ مالا محرما عمدا ، أو كترك قياس تعويض الاطعام من الصيام في قتل الخطأ على تعويضه من الصيام في الظهار ، ومثل هذا كثير جدا ، بل هو أكثر مما قاسوا فيه ، فلو كان القياس حقا ما جاز الاجماع على تركه ، كما لا يجوز الاجماع على ترك الحق الذي هو القرآن ، أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مما صح عنه ، فإنه لم يجمع قط على ترك شئ منه إلا لنص آخر ناسخ له فقط ، وهذا يوجب بطلان القياس ضرورة .
ويقال لهم أخبرونا عن القياس ، أيخلو عندكم أن يحكم للشئ الذي لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحكم الذي فيه نص أو إجماع ، إما لعلة فيهما معا ، هي في المحكوم فيه علامة الحكم ، وإما لنوع من الشبه بينهما ، وإما مطارفة لا لعلة ولا لشبه ولا سبيل إلى قسم رابع أصلا ؟ فإن قالوا : مطارفة لا لعلة ولا لشبه كفونا مؤنتهم ، وصار قائل هذا ضحكة ومهزأة ، ولم يكن أيضا أولى بما يحكم به من غيره ، يحكم في ذلك الامر بحكم آخر ، وهذا ما لا يقوله أحد منهم .
فإن قالوا : بل لنوع من الشبه ، قيل لهم : وما دليلكم على أن ذلك النوع من الشبه يجب به ذلك الحكم ، ولا سبيل إلى وجود ذلك الدليل ، وتعارضون أيضا بشبه آخر يوجب حكما آخر ، وهذا أبدا .
فإن قالوا : بل لعلة جامعة بين الحكمين ، سألناهم : ما الدليل على أن الذي تجعلونه علة الحكم هي علة الحقيقة ؟ فإن ادعوا نصا فالحكم حينئذ للنص ، ونحن لا ننكر هذا إذا وجدناه . فإن قالوا : غير النص قلنا : هذا الباطل والدعوى التي لا برهان على صحتها وما كان هكذا فهو ساقط بنص القرآن ، وبحكم الاجماع والعقول ، وإن قالوا : طرد حكم العلة دليل على صحتها ، قيل لهم : طردكم أنتم ، أو طرد أهل الاسلام .
فإن قالوا : طرد أهل الاسلام ، قيل : هذا إجماع لا خلاف فيه ، ولسنا نخالفكم في صحة الاجماع إذا وجد يقينا ، وإن قالوا : بل طردنا نحن قيل لهم : ما طردكم