في رحاب الايمان - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - حقيقة الحقائق
فكل وجود لابد من ان يصير الى الموت والفناء. واذا كان البعض يموتون وهم رقود فانهم لا يموتون كذلك في الحقيقة بل لابد من ان يستيقظوا ولو للحظات لكي يذوقوا طعم المنية قبل ان يصادر وجودهم. لذلك لو اراد الانسان ان يدرك ويفهم فلسفة الحياة والوجود وحقيقة هذه الدنيا، فعليه ان يذهب الى المقابر، ويزور المغتسل وينظر بتأمل كيف ان هذا الانسان الذي كان بالامس يحادثه، ويجالسه، ويأكل، ويشرب معه، اصبح اليوم جثة هامدة باردة، يصب عليه الماء من كل جانب، ويقلب يمنة ويسرة كما تقلب الخشبة اليابسة!
اننا لو ادركنا حقيقة المنتهى، وكيف يسدل الستار على هذا الوجود، فاننا سندرك بعد ذلك الحقائق الاخرى المتعلقة بالحياة وطبيعتها. فلو فهم الانسان حقيقة الموت، هانت لديه المصائب، وذابت امامه جبال العسر والمشاق، لانه سيعيش بامل الاخرة، ونيل نصيبه منها، فيعيش عندئذ حياته سعيدا في ظل القناعة والتواضع والرضا بما رزقه الله وانعم عليه وان كان قليلا يسيرا.
وفي حياة ائمتنا (عليهم السلام) صور رائعة لهذا الايمان الصادق، تركوها لنا لاقتفائها والاقتداء بها. فالامام زين العابدين (عليه السلام) كان حين يجلس على
الارض، يجلس القرفصاء فلا يستوي في جلوسه، او يجلس جلسة القائم، بل كان يجلس متواضعا ثم يدعو قائلا:" اللهم ارزقنا التجافي عن دار الغرور".
وهكذا فان معرفة النهاية لابد وان تهدينا الى معرفة البداية، والمسلك الصحيح في الحياة كما يقول تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ اجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (آل عمران/ ١٨٥)، فاذا ما عمل الانسان في دنياه خيرا، وجد فيها الخير. واذا ابتغى الشر وعمل به، فلا يجد الا كل ما هو شر وسيء.