تفسير ستّ سور - الشريف الكاشاني، حبيب الله - الصفحة ١٢٦
ولا يخفى أنّ جميع هذه الحقائق متلازمة في الوجود ، وصورتها الّتي تظهر فيها في القيامة الكبرى هو الجسر الممدود الّذي لا يمكن لأحد من الناس أن لا يمرّ عليه ، ولا يمكن لأحد منهم الوصول إلى الجنّة إلّا بالمرور عليه ، إلّا أنّ منهم من يمرّ عليه مثل البرق ، ومنهم من يمرّ عليه كعدو الفرس ، ومنهم من يمرّ عليه ماشيا ، ومنهم من يمرّ عليه حبوا ، ومنهم من يمرّ عليه متعلّقا فتأخذ منه النار شيئا ، ومنهم من يسقط فيها في قدمه الاولى ، فقد قال تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) [١].
وهذا الاختلاف إنّما نشأ من اختلافهم في المعرفة والسلوك في الدار الدنيا ، وقد ورد أنّ الصراط مظلم يسعى الناس على قدر أنوارهم : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [٢].
وفي تنكير «الصراط» إشارة إلى أنّ لكلّ طريقا خاصّا إلى الحقّ على حسب ما أعطاه الله من القابليّة والاستعداد ، فإنّ «الطّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» [٣] ، كما روي في بعض الكتب ، فلا يطلب من الأدنى ما يؤاخذ عليه الأعلى ؛ إذ لا يكلّف الله نفسا إلّا ما آتاها ، ولا يكلّفها إلّا وسعها وبقدر طاقتها ، قال الله تعالى : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) إلى قوله (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) [٤].
وقد فسّر «الماء» بالعلم ، و «الأودية» بالقلوب ، فكلّ مكلّف في السلوك
[١]مريم : ٧١.
[٢]الملك : ٢٢.
[٣]بحار الأنوار ٦٧ : ١٣٧.
[٤]الرعد : ١٧.