تفسير ستّ سور - الشريف الكاشاني، حبيب الله - الصفحة ٣٢٨
إنّما قدّمه لأنّه أقدم ، فإنّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الأموات ؛ كالنطفة والتراب [١]. انتهى.
وهذا راجع إلى بعض ما قدّمناه.
وربّما يخطر بخلدي أنّ الوجه في ذلك أنّ غرابة خلق الموت أكثر من غرابة خلق الحياة ولو بحسب ظنّ الناس وتوهّمهم ، فلذا قدّمه في مقام ذكر أنّ بيده الملك ، وأنّ له التصرّف في كلّ شيء ، وأنّه على كلّ شيء قدير ، ليكون إشارة إلى استواء نسبة قدرته إلى كلّ شيء ، فلا يتصوّر أهون وأصعب في أفعاله تعالى ؛ بل الجميع بالنسبة إلى قدرته على حدّ سواء ، فخلق النملة عنده كخلق الفيل ، وإيجاده السماوات والأرضين وما بينهما مثل إيجاده الذرّة بلا تفاوت ، فأمره (إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [٢] وفي قوله في الجوشن الكبير : «يا من في الممات قدرته» [٣]. إشعار بهذا الوجه.
وقوله : (الَّذِي خَلَقَ) محتمل لكونه استئنافا بيانيّا ، لكونه جوابا عن السؤال المقدّر عن مقدار قدرته ، ولكونه بدلا عن الّذي بيده الملك ، ولكونه خبرا عن المبتدأ المحذوف ؛ أي هو الّذي خلق الموت.
وقوله : (لِيَبْلُوَكُمْ) تعليل لخلق هذين الأمرين بالعلّة الغائيّة ، وهذا التعليل مذكور أيضا في قوله تعالى في سورة هود : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ) ... [٤] إلى آخره. أي :
[١]مجمع البيان ١٠ : ٤٠٨.
[٢]يس : ٨٢.
[٣]مفاتيح الجنان ، دعاء الجوشن الكبير.
[٤]هود : ٧.