الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٦٩
بأتقن تاريخ يراغم مرور القرون بظهور مجده وخصوصيات شرفه. تاريخ تسالم عليه عالم كبير من أهل الدنيا في أجيال عديدة مع قوميات متباينة وأديان مختلفة ووثنية وحشية مستمرة بتلونها في قرون عديدة. ومما ينبهك إلى معرفة عناية الله بالكعبة وحفظ كرامتها وتاريخها المجيد وأثرها الخالد بآيات مشيئته على رغم عادات الضلال هو أن بني إسرائيل وخصوص سبط يهوذا يعرفون أن جامعتهم السياسية وقوتهم القومية لها ارتباط شديد ببيت المقدس وشعار مجده. ولكنهم بمجرد انحراف غالبهم إلى الضلال والوثنية تكون ضربتهم على بيت المقدس. ومن أجل ذلك قد خربوه مرارا منها أن بني (عثليا) الخبيثة (والظاهر أنهم أولاد يهورام ملك يهوذا) هدموا بيت المقدس إلى أن أمر (يواش) ملك يهوذا ببنائه فأقيم على رسمه. كما تعرف ذلك من العدد السابع إلى الرابع عشر من الفصل الرابع والعشرين من أخبار الأيام الثاني وكذا من العدد الرابع إلى الثالث عشر من الفصل الثاني عشر من سفر الملوك الثاني. ولما ارتد إلى الوثنية (أحاز) ملك يهوذا وتبعه بعض رعيته أغلقوا أبواب بيت المقدس وملأوا القدس نجاسة حتى إن جماعة كثيرة حينما ملك (حزقيا) المؤمن أشتغلوا ثمانية أيام في إخراج النجاسة من القدس أي قدس الأقداس. وهو أهم موضع في بيت المقدس وأشدها احتراما انظر إلى الفصل الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من أخبار الأيام الثاني. حتى إنه لما ملك يوشيا المؤمن احتاج إلى جمع أموال من بني إسرائيل لشراء حجارة وخشب لأجل ترميم الهيكل وعمارة بيوته التي أخربها ملوك يهوذا. أنظر من العدد الرابع إلى الثامن من الفصل الثاني والعشرين من سفر الملوك الثاني ومن العدد الثامن إلى الثاني عشر من الفصل الرابع والثلاثين من أخبار الأيام الثاني.
ودع عنك ما نال بيت المقدس من تخريب (بخت نصر) و (طيطوس) الذي أخربه بالخراب الكلي. هذا ولم يمض على بيت المقدس ألف وخمسمائة سنة. ومن ذلك تعرف أن بقاء احترام الكعبة ومجد تاريخها وآثار إبراهيم الخالدة وتذكار اسمه الشريف وبنائه للبيت نحو ألفين وخمسمائة سنة مع استيلاء الوثنية عليه إنما هو من آيات الله الخارقة لنواميس العادة. ولا تنس واقعة الفيل و (أبرهة) ملك الحبشة وجيشه العظيم وهلاكهم. هذه الواقعة التي كان عامها مبدأ للتاريخ عند العرب وعنوانا. ومما يمثل تلك الآيات دوام حرمة البيت واحترامه بين عموم العرب ذوي النخوة والجبروت والتخريب والانتقام والغارات والعدوان فلا يكون هذا الاحترام الدائم بين تلك الأمم المتضادة المتوحشة إلا بعناية من الله لتخليد ذكر إبراهيم خليله. فهو محترم (ومن دخله كان آمنا) نوعا بين العرب لا يؤاخذ فيه بجرم ولا يعتدى عليه مع ما يعرف من حال الأعراب وهذا من الآيات البينات. فالقرآن الكريم بهاتين الآيتين يشير إلى تاريخ الكعبة ودلائله بحيث لا يتفق لقديم مثله مثل إتقان هذا التاريخ وظهوره والتسالم عليه بين ملايين من البشر في أجيال متعددة كل واحد منهم يعنيه أمره ويخضع لاحترامه مع أن الدواعي المتكاثرة تقتضي أن ينطمس تاريخه ويندرس اسم إبراهيم وإسماعيل أو يثور بين العرب في ذلك الجدال وخصومة الجحود والانكار ولو كان في هذا التاريخ المجيد أدنى شك لما أذعن به القحطانيون هذا الاذعان الكلي وتركوا الإسماعيليين يتقدمون ويفتخرون به على جميع العرب. ولا يخفى أن مثل هذه المفاخرات عند العرب كانت من أهم الأمور.
نعم أذعن به القحطانيون وخضعوا له لأنهم لا يجدون سبيلا إلى إنكاره مهما ثار الحسد بنخوة القوة. ولا يخفى في فلسفة التاريخ أن مثل تاريخ الكعبة وبنائها بالنحو الذي ذكرناه يكون أولى بالاذعان من كل تاريخ في العالم. فإن التاريخ الذي في الكتب غاية ما فيه أنه ينتهي سواد كتابته إلى واحد من الناس. وإن شئت سميته المؤرخ الكبير والرحالة الباحث المحقق فإنه لا تكون لمشاهداته قيمة علمية إلا إذا تأيدت بشهادة قوم أو أمة. إذن فما حال ما يكتبه بالسماع عن فلان عن فلان. وبعد أن أظهر الله مجد البيت الحرام وشرف بدئه وكرامة تاريخه وحججه بما لم يحظ به تاريخ في العالم أظهر ما تقتضيه كرامته وأولويته بالاحتفال وإقامة التشريفات تذكارا له وتخليدا للعبادة التوحيدية وإكراما لأوليائه حماة التوحيد وتذكار أعمالهم فقال (ولله على الناس حج البيت) لا على جميع الناس حتى فقيرهم وعاجزهم ومن يخاف على أهله ونفسه بل على (من استطاع إليه سبيلا) بالاستطاعة العرفية الدائرة بين الناس في أسفارهم وقال الله جل اسمه في الآية الخامسة والعشرين بعد المائة من سورة البقرة (وإذا جعلنا البيت مثابة للناس) مشعرا لعبادتهم الله وسببا لثوابهم بامتثال أوامر الله وخضوعهم له في الحج وأعماله (وأمنا) كما أجراه الله بلطفه نوعا فيما بين العرب فكان من يلجأ إليه يكسب الأمن ومن جاوره يحظى بالاحترام. وخاطب الله عباده تشريفا لإبراهيم بقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم) هذا الذي تعرفونه بتاريخه القطعي المتسلسل في الأمم والأجيال يدا بيد وتعرفون أن إبراهيم قام عليه لعمارة بيت عبادة الله وتوحيده اتخذوا من ناحيته (مصلى) لله تذكارا لإبراهيم ومساعيه في سبيل الله. تم أظهر الله أن شعار العبادة هناك كانت شريعته وشريعة الطواف بالبيت عهدا من الله لإبراهيم فقال جل اسمه (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود). تم ذكر الله بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت وأن بنيانهما له كان لوجه الله فقال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) حال كونهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) بنياتنا وإخلاصنا في عملنا وتوحيدنا لك. هذ وإن التوراة الرائجة على ما فيها تشير إلى مثل هذا التاريخ لمكة المعظمة فقد ذكر في العدد الثلاثين من الفصل العاشر من سفر التكوين في تحديدها لمنازل بني يقطان وقالت: (وكان مسكنهم من (مسا) لمجيئك سفار جبل المشرق) و (مسا) اسم لمكة كما يعترف به الكاتبون من النصارى حتى إنهم في رسومهم للبلاد المذكورة في العهدين يرسمون (مسا) في موضع مكة وهو ما فوق الدرجة الحادية والعشرين من العرض الشمالي وفوق الدرجة الأربعين من الطول الشرقي والتوراة في العدد الثلاثين من الفصل العاشر من التكوين وكذا في العدد الرابع عشر من الفصل الخامس والعشرين تذكر آن أحد أولاد إسماعيل الاثني عشر اسمه (مسا) فيؤخذ من ذلك أن مسا بن إسماعيل هو الذي مصرها وبني فيها دور السكنى فسميت باسمه كما سميت (تيما) (ودومة) باسمي تيما ودومة من أولاد إسماعيل الاثني عشر وكما سميت جملة من بلاد اليمن بأسماء أولاد يقطان (قحطان) كحضرموت. وأوزال. واوفير.
وحويلة لكن تراجم التوراة جرت على عاداتها فذكرت (مسا) ابن إسماعيل كما هو مذكور في الأصل العبراني وتقلبت في ذكر (مسا) اسم مكة فبعضها تذكره (ميشا) وبعضها (ماسا) لماذا؟ مع أن الاسمين في الأصل العبراني بنحو واحد ليس فيهما إلا ميم في الأول وحرف مردد بين السين والشين في الوسط وألف في الآخر نعم يوجد فرق في علامات الفتح والكسر للميم ولكن علامات الحركات حادثة لم توضع إلا فيما بين القرن الثاني والثالث قبل المسيح وضعها