الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٩١
وكذا السائلات. ومن المعلوم أن الأعمال الطبيعية والكيمياوية تحول الغازات إلى سائل وتحول السائل إلى جامد وتحول الجامد من نوع إلى نوع آخر أشد منه جاذبية. وتعمل العكس وتدور على المادة بأعمالها في التحويل طردا وعكسا حلا وتركيبا. فهل يمكن أن يقال ببقاء الكيان الأول للجوهر الفرد مع ما يطرأ من التغيير على قوته الغريزية. هذا التغيير المدهش بتبادله. أيها الدكتور إن الموجود لا بد أن يكون له كيان خاص في وجوده فإذا كان واجب الوجود كان ذلك الكيان واجب الوجود فلا يمكن إذن أن يتغير ذلك الكيان الواجب. إذن فالجوهر المتغير الكيان لا يكون واجب الوجود. الدكتور: لماذا لا نقول إن الأثير الأزلي هو واجب الوجود.
الأثير لا يكون واجب الوجود
الشيخ: الأثير الافتراضي لا يكون واجب الوجود فإن (غوستاف لبون) يقول (إن الأثير تكاثف في القديم بسبب لا نعرفه فصار مادة) فالأثير تغير كيانه إلى المادة المتغيرة على الدوام فلا يكون واجب الوجود. وأما على قول (طمسن) بأن الأثير سائل تام مالئ للخلاء والجواهر الفردة أجزاء ذلك السائل تتحرك فيه بحركات زوبعية فتحدث منها الصور المتنوعة) فنقول إن تلك الجواهر الفردة المتحركة التي هي أجزاء الأثير إن كانت أثيرا متحركا فقد تغير كيان إلى التحرك الزوبعي وتغير أيضا بتغير تلك المتحركات إلى الصور المتنوعة بالتغير الذي لا يحصى على مدى الدهور. وإن قلتم إن الأثير تغير كيانه فصار جواهر فردة متحركة تلحقها التغيرات التي لا تحصى. قلنا إن الذي يتغير كيانه لا يكون واجب الوجود. يا من ينتهي بتعليل الكائنات إلى افتراض الأثير المزعوم. هل عندك طريق في تعليلك لا يستلزم تغير كيان الأثير؟ كلا. لا تجد طريقا. الموجود المادي لا يكون واجب الوجود. ولا يمكن أن يوقف عليه بالتعليل للموجودات موقفا علميا مهما تحركت زوابع الدعاوى وتسلست أنواع المصادرات. الدكتور: هل بقي وجه يمنع من الوقوف بالتعليل على الجواهر الفردة أو الأثير.
موجد هذا الكون المنتظم عالم بغاياته
الشيخ: إن الذين يفترضون الجواهر الفردة أو الأثير يفترضونها عديمة الشعور. والذي يصح الوقوف عليه بالتعليل إنما هو موجد العالم والكائنات. وهذا الموجد الأزلي هو عالم يوجد على الحكمة والغايات المعلومة له. فإن كل ناظر إلى هذا الكون يراه في جميع عوالمه وأنواعه وأطواره وأدواره ومواليده منتظما على نظام فائق متناسب وحكمة باهرة وغايات كبيرة شريفة.