الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٩٠
الدكتور: تنقسم إلى مائة دقيقة كل واحدة تعادل مائة جوهر فرد. عمانوئيل. دقيقة الملح التي تعادل مائة جوهر فرد. قل لي كم جوهر فرد يكون كلورها وكم جوهر فرد يكون صوديومها بحساب أن النسبة في كلور الملح إلى صوديومه كنسبة خمسة وثلاثين ونصف إلى ثلاثة وعشرين أليس يجب في هذا لعملية التجريبية أن يكون في جواهر الكلور جزء وكسر من جواهره الفردة وفي جواهر الصوديوم جزء وكسر من جواهره الفردة. يا حضرة الدكتور إن العلم التجريبي يبين لنا نسبة أجزاء المركبات بعضها من بعض والتجارب توضح لنا انقسام الدقائق فيما هو أكثر منها. والتصور بهذا النحو من العمليات المختلفة الأشكال يتكفل لنا بقسمة كل ما تفرضونه جوهرا فردا إلى الكسور البسيطة والمركبة ويبطل فرض الجوهر الذي لا يتجزأ ويحكم بامتناع فرضه إذن فكيف تقول إن العلم الطبيعي يضطر إلى الاعتراف بالجواهر الفردة نعم يضطر إلى الاعتراف بقبول الدقائق للصغر العجيب والانقسام المدهش كما قيل في خيوط نسيج العنكبوت وانقسام قمحة من (الستركنين) في مقدار ألف وسبعمائة وخمسين ألف قمحة من الماء. ومقدار من الفضة في ملايين الملايين من أمثاله من الحامض النتريك.
الشيخ. لا شك أنا نرى في العالم في حيوانه ونباته وجماده أنواعا مختلفة وماهيات متباينة. مني، ودم، ولحم، وعظم، وعصب، وعروق، وأنسجة، وشعر، وصوف، وريش، إلى غير لك من أجزاء الحيوان المختلفة في الماهيات والألوان، والخواص وخشب، وأوراق، وأوراد وثمار مختلفة الألوان والخواص والماهيات وحجر مختلف بالألوان والخواص، ورمل، وتراب مختلفة الألوان ومعادن متباينة الماهيات مختلفة الألوان والخواص فأسألك أيها الدكتور هنا لكشف الحقيقة سؤالات ثلاثة. السؤال الأول. هل الجواهر الفردة لكل من هذه الأنواع كانت من الأزل على صفات النوع وخواصه فجواهر المني مني من الأزل، وجواهر الدم دم، وجواهر اللحم لحم. وهكذا بحيث تكون صفات الجواهر وماهياتها وخواصها متباينة منذ الأزل؟
السؤال الثاني: هل هذه الجواهر منذ الأزل وإلى الأبد هي على ما هي واحدة وصفة واحدة وخاصية واحدة لم تختلف ولم تتغير لا في الأزل ولا في الأبد لا في ماهيتها ولا صورتها ولا خواصها. السؤال الثالث: هل هذه الجواهر منذ الأزل على ماهية واحدة وصفات واحدة ولكنها بالحركة وأعمال الطبيعة تتغير ماهياتها وتتبادل صفاتها وخواصها مثلا تكون ترابا ثم تكون نباتا ثم يأكله الطير فتكون لحما ثم يأكله الانسان فتكون دما ثم تتحول منيا. وهكذا. الدكتور: ماذا تفيدك هذه السؤالات. إن أصحابنا يقولون إن الجواهر لا يلحقها تغير طبيعي ولا كيمياوي. الشيخ: ماذا يقول أصحابك في الجوهر الفرد هل يقولون بأنه يتغير عن كيانه الأزلي وخصائصه الأزلية؟ الدكتور: يقولون إن لكل جوهر من الجواهر شكلا ولونا وثقلا ونحوها وإنها تبقى على حالها إلى الأبد فلا يلحقها تغير طبيعي ولا كيمياوي.
الشيخ. هل يقول أصحابك إن في المادة والعناصر شئ موجود غير الجواهر الفردة. الدكتور: لا. ليس المادة الموجودة والعناصر إلا مجموع من الجواهر الفردة. الشيخ: أما قولك بأن لكل جوهر من الجواهر شكلا فيلزمه الاعتراف بأن الجواهر الفردة تتجزأ بالقسمة وهو واضح فيبطل قولكم إن الجواهر الفرد هو الجزء الذي لا يتجزأ. وأما قولكم إن لكم منها لونا وثقلا ونحوها وإنها تبقى على حالها إلى الأبد فلا يلحقها تغير طبيعي ولا كيمياوي فهو معارض بالعلم والوجدان واعترافكم. فإن من واضحات العلم والوجدان واعترافات أصحابك أن العناصر عند تركبها تفقد خواصها الأصلية وتكتسب خواص أخرى قد لا يكون بينها وبين الخواص الأولى علاقة ولا نسبة. فإن الكلور غاز سام والصوديوم جامد سريع الاشتعال بالماء الساخن ومن تركبهما يحصل ملح الطعام المصلح. ومن تحليل هذا الملح المصلح يحصل الغاز السام والجامد الذي يشتعل. وإن روح الملح سام للغاية وكذا الصودا الكاوية ومن مزجهما وإحمائهما يتولد الماء والملح وهو القوام في نفع الانسان لحياته.
وأمثلة هذا كثيرة وكلها تشهد بتغير الجواهر عن كيانها الأول وكيانها الثاني وهكذا مهما تواردت عليها الأعمال الكيمياوية. ودع ما نشاهده من التغير بأعمال الطبيعة مما لا يحصى بل عليه جرى ناموس الكون في جميع الآنات. انظر إلى مادة نشوء الانسان وأمثاله من الحيوان في الرحم سواء قلنا إن تلك المادة هي مني الذكر أو بيضة الأنثى. وتأمل واحسب كم يلحق أجزاء تلك المادة من التغيرات إذ تصير دما ولحما وعضاما ومخا وعصبا وأوردة وعروقا وعضلات وجلدا وشعرا وصوفا وأظفارا بأوصاف مختلفة وخواص مختلفة وألوان متعددة. وانظر إلى غذاء الانسان والحيوان إذ يتغير ويصير جزءا من الحيوان من أحد هذه الأجزاء المذكورة ثم يتحلل بالتبادل ويغير بتغيرات أخرى لا تحصى. ثم أنظر إلى بيضة الطير حينما ليس فيها إلا مايع أبيض ومايع أصفر فإذا بها تنفلق عن طير له أعضاء مختلفة وأجزاء متنوعة وألوان كثيرة مختلفة تترقى إلى ألوان ريش الطواويس. وانظر إلى هذه الحيوانات إذا ماتت كيف تتبدل أجزاؤها وتتبادل عليها التغيرات الكثيرة. وانظر إلى النبات من أول نشئه إلى أحوال كبره وورقه وورده وثمرته وبذره وأحوال فنائه فكم يلحقه من التغيرات والألوان والطعوم والخاصيات. وانظر إلى أحوال الأرض وما يتولد فيها من المعادن والصخور والأحجار وما يلحقها من التغيرات التي لا تحصى. وبالجملة كل ما تشاهد في عالم الماديات لا ينفك عن لحوق التغيرات له بكثرة مدهشة تفوق حد الاحصاء. تلك التغيرات المختلفة الجهات الكثيرة. وعلى قولكم إن عالم الماديات عبارة عن مجاميع من الجواهر الفردة نقول لك إن هذه المجاميع لا زال التغير يتبادل عليها حالا بعد حال فإنا نشاهد أن التغير لا زال يسلبها كيانا ويكسوها غيرها مما لم يكن لها. وهكذا وهكذا. ويقول أصحابك إن قوة الجذب وقوة الدفع غريزتان للجواهر الفردة وإن قوة الجاذبية في جواهر الجامدات أشد منها في السائلات. وفي السائلات أشد منها في الغازات ويلزم أن تكون في الجامدات مختلفة أيضا بمراتب الشدة. فإنه لا بد من أن تكون قوة الجاذبية في جواهر الحديد أشد من قوة الجاذبية في لب السيسبان مثلا وهكذا في نسبة بعض الجامدات إلى بعض.