الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٨٢
نفسي برواتب الوظائف أو أجرة الأعمال وأما حل المشكلات العلمية فهو مخصوص بالأساتذة من العلماء المتبحرين في براهين العلوم. فهل أنت يا عمانوئيل تحل هذه المشكلات حلا علميا مقنعا لي.
عمانوئيل: ما أدري ماذا أعرض لحضرتك يا صاحبي فإن الاقناع شرطه مني ومن غيري.
الدكتور: إن سلوك عمانوئيل في تقرير هذه المشكلات يشهد عندي بأنه قادر على حلها علميا قدرة كافية. القس: يا اليعازر في أية كلية درس عمانوئيل هذه العلوم بهذا الدرس الراقي.
اليعازر: لم يدخل كلية من الكليات المعروفة ولا أدري أين درس هذه العلوم.
عمانوئيل: يا سيدي منذ نشأت كنت مولعا بالتفهم في درس العلوم وقد وجدت درس المكاتب يدور على النظر إلى رؤوس المسائل ولا أجد عند المعلمين بيانا بأكثر من التلقينات المسموعة. فتهيأ لي أن أدرس هذه العلوم عند واحد من طلبة مدرسة النجف أياما قليلة درسا علميا. وقد أفادني أن في النجف من الماهرين بهذه العلوم خلقا كثيرين ولكن لأجل أن الغاية المطلوبة لهم إنما هي علم الدين لم يظهر لدراستهم في هذه العلوم دوي ولا سمعة.
رمزي: ما علينا فإن اكتشافات الغربيين العجيبة تجعلنا على ثقة من صحة آرائهم ونظرياتهم الراقية وإن اللازم علينا في الأدب العصري أن نتناول من آراء الأساتذة ونعرض عن النقد والمحاماة عن الحقائق. وما هي الغاية من ذلك؟ هل ترى أنال ثروة ومالا أعيش به كما إذا كنت محاميا في الحقوق يا ترى. ألا وإن حرية النفس في هذه الحياة تحبذ هذه الآراء الجديدة التي تنال الانسانية بها محبوباتها في أميالها بلذة وراحة فكر من دون عراقيل وتهديدات.
هذه العراقيل والتهديدات التي تكدر صفاء المدنية السمحة. وليس من الهين أن نعتبر حياتنا هذه القصيرة مقيدة بقيود الشرايع ومهددة بأخطار الوعيد.
عمانوئيل: يا صاحبي (رمزي) لا يغيب عن درايتك أن الاكتشافات العجيبة والاختراعات العلمية النافعة في لوازم الحياة إنما كانت من إلهيين متدينين قد اتقنوا مبانيهم بالنظريات المحكمة الأساس فلماذا لم تتناول من آراء أولئك الأساتذة وكيف تختار رأيا من دون نقد للآراء الأخرى ولا محاماة عن الحقيقة. لا أذكر ذوي الشعور الراقي ولكن أقول: إن القاصرين من متوحشي السودان وغيرهم إذا اختلفت عليهم الآراء لا يركنون إلى واحد منها إلا بتحسينه ونقد ما عداه بما عندهم من الشعور في التحسين والنقد. نعم المعروف أن الماعز والضأن إذا طفرت إحداهن نهرا طفرت البواقي أيضا ولو على خطر أو عدم رجاء. لا أذكر لك في تنبيهك من غفلتك إلا وقوع الخطأ أو الاضطراب في آراء أساتذتك الذين حبذت مبدأهم وهملجت خلفهم. فإن ديمقراط يقول: إن الجواهر الفردة التي يفترضها افتراضا لها أشكال هندسية. وبخنر يقول: إن جواهرنا الافتراضية أصغر بكثير من جواهر ديمقراط.