الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠٧
وأزيدك يا شيخ أني طالما تضايقني الشدائد وتنقطع آمالي من الأسباب الطبيعة فأجد نفسي تلتجئ بفطرتها إلى مدبر فعال بالإرادة تراه مالك التصرف والتسبيب ملك القدرة والرحمة فطلب منه كشف الشدة بقدرته ورحمته على رغم الأسباب العادية، وتظل شاخصة النظر إلى رحمته. فيكثر عجبي من نفسي وتوجهها والتجائها ابتداء بفطرتها إلى من تراه خالقا قادرا عالما يفعل بإرادة على رغم التزامي بالمذهب المادي. وطالما درست أحوال الناس عند شدائدهم وانقطاع آمالهم من الأسباب العادية فأجد نفوسهم تجري بفطرتها على مبدأ نفسي في الالتجاء إلى مدبر عالم قادر، وكثير من هذه النفوس لا تعترف له في العافية والسعة. لكن يا شيخ إن اعترافنا بالإلهية دونه عقبات: (الأولى): إنا لا نقدر أن نعرف حقيقة هذا الخالق العالم الواجب الوجود. وهذا مما يصدنا عن الاعتراف به فإنه يصعب على النفوس أن تعترف بوجود موجود لا تعرف حقيقته.. (الثانية): إنا نرى الكثير من الناس قد تاه في هذا المقام. فإن منهم من يقول بتعدد الآلهة. ومنهم من يقول إن الإله يتجسد ويلبس ثوب الناسوت فيخضع بالطبيعة لاحتياج البشرية ونقائصها والشدائد الواردة عليها. ومنهم. ومنهم. وهذا كله يضاد مقام الإلهية ووجوب الوجود على خط مستقيم. من يتغير كيانه كيف يكون واجب الوجود؟ أي كيان منه واجب الوجود هل هو الكيان الأول المنعدم أو هو الكيان المتجدد الحادث؟ أم أن وجوب الوجود لا يرتبط بكيان وجودي، بل بكيان وهمي انتزاعي لا وجود له. (الثالثة): إن الذين يدعوننا للاعتراف بالإلهية يريدون منا أن نعترف لهم بسيطرة دينية ونخضع تحت نير ونرزح تحت ثقل. مع أنا نرى الكثير من هذه السيطرات بعيدا عن الحقيقة. مشوه التعاليم وهذا لا يهون. يا شيخ فإن دعانا العلم والوجدان إلى الاعتراف بالإلهية صدتنا هذه العقبات.. ولا تحسب أني ممن يصده تكميل الشريعة الإلهية وتعليمها الروحي وزجرها عن فلتات الشهوانية ونقائص البشرية المهددة للكمال والأدب والمدنية والاجتماع والمستقبل الصالح للانسان.
الشيخ: هذا الكلام عجيب غريب منك ومن أمثالك. فإنا نقول لك: (أولا): إذا قادك العلم والوجدان إلى الاعتراف بوجود الموجود فهل يسوغ لك في شرف الشعور والأدب أن تجحد وجوده لأنك لا تعرف حقيقته من أجل قصورك عن إدراكها؟ إنك إذا رأيت شيئا تقصر عيناك عن تمييز حقيقته فهل يسوغ لك أن تقول لا وجود لهذا الشئ. إنك لا تعرف حقيقة النفس للحيوان ولا مائز العقل للانسان فهل يسمح لك الشعور بأن تقول ليس للحيوان نفس يمتاز بها عن الحجر وليس للانسان عقل يمتار به عن سائر الحيوان. فعليك أيها الدكتور أن تتبع العلم وحجته ودلالة الوجدان إلى حيث يوصلانك وتقف حيث يقفان. وثانيا. إن اختلاف الناس وتيه كثير منهم في أمر الإلهية هو عادة جارية للجهل المركب الذي يقتحم على كل حقيقة. فهل يسوغ إنكار الحقائق لأجل اختلاف الناس فيها وضلالهم عن سبيلها في متاهات الجهل والقصور. هل يوجد في الحس ما هو أجلى وأظهر من النور. أفلا تدري باختلاف الطبيعيين فيه حيث قال بعضهم: إنه مادة وذرات تنتشر من الجسم المنير بواسطتها تدرك العين المرئيات. وقال بعضهم: إنه حاسة يحدثها نقر تموج الأثير على عصب البصر. التموج الصادر من الأجسام المنيرة. فما أبعد ما بين هذين المذهبين.
ومما يزيد في خفاء حقيقة النور ويجعل الآراء فيها عرضة للنقد والتزييف ما كشفت عنه التجارب من النور الغير المرئي. كالنور الأحمر من الحل الطيفي لنور الشمس. وكالنور الغير المرئي من النور للكهربائي الذي اكتشفه (رونتكين). ومما يزيد في خفاء حقيقة النور ما يوجد من الاختلاف الكبير بين النورين، فإن نور الشمس لا ينفذ إلا من الجسم الشفاف وإذا حل على مكان ينكسر. والنور الكهربائي لا ينكسر، وينفذ من الأجسام الكثيفة ما عدا الفلزات. والمأمول من العلم أن يظهر من اكتشافاته ما يجعل العقول حائرة في حقيقة النور. وهذه الكهربائية التي أعملت في الأفاعيل الكبيرة قد قال قوم فيها إنها عبارة عن قوتي سيالين يكونان ممزوجين متكافئين في الأجسام الغير المكهربة. وبتفريق هذين السيالين تظهر الكهربائية وتهيج وباتحادهما تتفرغ ويبطل التهيج. وقال قوم قوة واحد في الأجسام متوازن، وبزوال الموازنة تتكهرب الأجسام، وبعود الموازنة تتفرغ ويبطل التهيج. ما هي حقيقة السيال؟ وكيف يكون جاذبا، وكيف يكون دافعا، وأين يذهب إذا تفرغ، وأين يذهب إذا انقطعت دائرته، هل يختص بسطح الجسم، ولماذا يختص، وكيف يتكهرب الهواء والفضاء، ولماذا تختص الكهربائية برؤوس المروس أو تزيد فيها؟ لا زالت زوابع الجهل المركب تذهب بالأفكار في كل متاهة. قد قحمتها في ضلال إنكار الوجود بعد العدم ودعوى امتناعه، مع إنك وكل أحد ترون وتجدون في كل ساعة ألوفا وألوفا مما حدث بعد العدم.
إن مثلك لا ينبغي أن يخفى عليه أنه يلزمه النظر الصادق في أمر الحقيقة واتباع الحجة الواضحة والدليل الهادي لكي ينجو من تيه الضلال، ويتمسك بما وصل إليه من العرفان. فانظر هداك الله في أمر الإلهية بعين البصيرة وأثبت أقدامك في مراكز اليقين. فإذا تجلى لك أمر الإله وعلمه وحكمته فهل يقبل شرف إنسانيتك أن تفر فرار العبيد فتجحد الإله لمحض خوفك من الخضوع لنير تعاليم متدلسة باسم الدين. أليس من اللازم عليك أن تنظر في أمر التعاليم التي تدعر، إليها. فما عرفته أنه من التعاليم الإلهية الحقيقية أخذت به وأرشدت بني نوعك إليه. وما عرفته أنه من الأهواء المتدلسة باسم الدين أعرضت عنه وأوضحت لبني نوعك ضلاله. فإن هذه التعاليم المتدلسة كما قلت أنت هي نير الشقاء وغل الضلال والعناء. وثقل الخسران الباهض. ولكن هل يخفى عليك أن التعاليم الإلهية الحقيقية هي من رحمة الله للبشر وهي تاج الشرف وزينة الكمال وفخر الأحرار يستريحون إلى كمالها وعدلها وإصلاحها من عبودية الشهوانية البهيمية ونير الأهواء الخسيسة. فيا للعجب من فضيلتك أيها الدكتور أراك تحيد عن الحجة الساطعة في أمر الإلهية والمحجة الواضحة في العلم وتعلل بهذه التشبثات الباردة.
الدكتور: ألا تجري يا شيخ في الاحتجاج على المعارف الإلهية لكي أعيد النظر وازداد في البصيرة. الشيخ: مهما اختلفت الأهواء وتشعب الجهل فإنها لا تثنى فطرة الانسان الأولية عن حكمها بلزوم تعليل الكائن والنظر في علته وإن اقتصر بعض المغفلين والقاصرين على ما يهمه في حاله الحاضر وحاجته الوقتية الطفيفة. ولكن جميع النفوس في نظرها إلى هذا العالم وما يحدث فيه كل آن من الموجودات التي لا تحصى لا زالت تطلب الوقوف على مصدر هذه الكائنات ومبدأ وجودها. كانت الأهواء ههنا قد عملته أعمالها بدسائسها. فكان نوع الناس بجامع الفطرة الانسانية قديما وحديثا ينظرون إلى العلة الفاعلة في إيجاد الموجودات مدرجين مادتها في لفيف الموجودات الحادثة. إذ يجدون بفطرتهم وإحساسهم وبرهانهم إمكان وجود المادة بعد عدمها وخضوع وجودها للقدرة الفعالة.