الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٣٢
وثانيا: إنك تشاهد دائما أن الحيوان عندما تفارقه النفس والحياة يأخذ تركيبه بالفساد إلى أن يتلاشى. فلماذا لا تنبهك هذه المشاهدات إلى أن تركيب الحيوان الخاص به إنما هو المعلول للحياة والنفس في نشأته وبقائه وأن النفس والحياة لتركيب الجسد فلا تكون هي ذات الجسد ولا ذات تركيبه ولا ذات مادته ولا ذات صورته.
فتتنبه إلى أن هذه العلة هي المائز بين الحيوان وبين الجماد الذي ليس فيه إلا مادته وصورته. وثالثا: إنا نجد للحيوان تركيبين تركيبا يقارن الحياة والنفس ويناسبها. وتركيبا ثانيا فساديا ينافر الحياة وتدبير النفس إذ ينشأ من فقدهما ويكون هذا التركيب مما يرجع به إلى الجمادية ويشارك به الجماد ويمتاز به عن الأحياء فلا يزال هذا التركيب يتمشى به الفساد إلى ناحية الفناء والتلاشي. فماذا تقول إذا حدثت الحياة وعادة النفس فجأة لهذا التركيب بعينه. فماذا يمتاز ذلك الحي عن الجماد؟ فإن قلت بتركيبه الخاص قلنا هذا التركيب الجسماني الخاص بعينه كان يشارك به الجماد ويمتاز به عن الأحياء فكيف تعكس الأمر وتتناقض.
وإن قلت يمتاز بشئ جديد غير الجسم وتركيبه فقد أبطلت وهمك ورجعت إلى صواب المتكلمين. ألا وإن من مثال ما ذكرنا ومصداقه هو دود القز، تراه حيوانا يأكل وينسج ثم يخنقه نسيجه فتفارقه مظاهر الحياة وتقترن به مظاهر الموت ومنها فساد التركيب وتمشيه إلى الفناء ويزداد هذا الفساد وعند ذلك فجأة يعود حيوانا يمتاز عن الجماد بمائز لم يكن قبل ثم يأخذ بالنشاط في نموه وصلاح تركيبه ورجوعه إلى غضارة الأحياء وقوة الحياة وأعمال النفس.
رمزي: إذا كانت الروح شيئا سوى تركيب هذا الجسد فلماذا يختل إدراكها وتعقلها باختلال الجسد كما يشاهد في مرض الحمى ومرض الدماغ وكون الجسد آلة لها في جميع الأحوال أمر غير مفهوم فلا يحسن الجواب بمثله.
عمانوئيل: ها هي النفس وأعمالها تثبت مزيتها وأنها شئ سوى الجسد وسوى تركيبه كما أشرنا إليه. والذي يختل باختلال الجسد إنما هي أعمالها الآلية. نعم لا تظهر: أعمالها الاستقلالية إلا إذا ظهرت آثارها على الجسد لأن المعقولات لا تدركها الحواس وإنما تدرك آثارها ومظاهرها على الأجسام فإنك لا تشعر بمعقولات غيرك إلا أن تتجلى مظاهرها على الجسمانيات المحسوسة.
أما أنك إن تكن لا تفهم كون الجسد آلة للنفس فلا يكون في ذلك نقص على الحقائق ولا ينسب إليها من ذلك قصور أو تقصير وماذا يكون إذا ناديت في أيامك بأعلى صوتك. ليس مدير السيارة إلا تركيبها ها هو السير على حسب المقاصد يختل باختلال السيارة. كون السيارة آلة للمدير أمر غير مفهوم.