الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠٦
متى عرفت أنه يكون قذارة مضرة في دور الولادة؟ وحتى إذا سكن عن أمه ألم الولادة وقامت عن مربضها تحامل للقيام على تكلف كأنه يطلب أليفا أنس به زمانا ففقده أو طريقا اعتاد لسلوك فيه فضل عنه أو رزقا سعى في تحصيله مدة فضاع منه وصار يضع فمه على مواضع من بطن أمه يحوله من موضع إلى موضع حتى إذا التقم الثدي أقبل عليه بنشاط وابتهاج كأنه وجد ضالته وحظي بأنيسه القديم. وإنك إذا تتبعت مواليد الحيوانات تجدها كلها على هذا المبدأ في الشعور الابتدائي كأنها متخرجة من مدرسة قد درست فيها هذه التعالم على معلم عالم رؤف بها. فهل يكون هذا كله من دون عالم فعال مدبر يلهمها رشدها ويعلمها تدبير أمرها. وفي هذا المألوف المعروف كفاية. فلا حاجة إلى ذكر عجائب المنقولات من أحوال الحيوان (يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك)[١] وحباك بالحياة وزينة الشعور وراعى شؤونك في نشأتك وأطوار حياتك الجنينية وبعد الولادة. فأين أنت عن رشدك ولماذا تاه شعورك وبماذا انخدع وجدانك؟ من هو الذي أوجدك. ومن هو الذي حباك بجمال الحياة وزينة الشعور جنينا ووليدا (أفي الشك فاطر السموات والأرض)[٢] (ألا يعلم من خلق)[٣]. تضطرك الفطرة إلى تعليل الموجودات التي تشاهدها فتحرفك أوهام الأهواء إلى افتراض الجواهر الفردة وحركتها والأثير وزوابعه أو تكاثفه. ومهما انحرفت ومهما افترضعت فإنك لا تقدر أن تقف بالتعليل في إيجاد الموجودات إلا على ما هو واجب الوجود في نفسه. ولا تقدر أن تصفه بوجوب الوجود ما لم تقدر أن تنزهه عن كل ما ينافي وجوب الوجود. وأين أنت من ذلك وقد مر إنك مهما تفترضها ومهما تدعي فيها لم تقدر أن تنزهها عن تغير الكيان، ونقص الامكان، دع هذا ولكن واجب الوجود الذي ينتهي إليه التعليل في وجود الكائنات لا يمكن للوجدان الحر إلا الاعتراف بأنه عالم بغايات خلقه قد خلق لأهل الغايات. فكيف يصح لكم أن تصفوا الجواهر الفردة والأثير بوجوب الوجود مع أنكم افترضتموها عديمة الشعور والادراك. الدكتور: يا شيخ إني طالما أوجه فكري في هذه الأمور التي ذكرتها وغيرها وعلى الخصوص ما يجده في علم التشريح من عجائب الفوائد والغايات ودلالة الخلقة على قصدها. وأقدر أن ما خفي على العلم أعجب وأدل على قصد الغاية
[١]ـ سورة الانفطار: الآية / ٦ - ٨.
[٢]ـ سورة إبراهيم: الآية / ١٠.
[٣]ـ سورة الملك: الآية / ١٤. (*)