الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٧٨
وهذا بديهي وجداني. الشيخ: هذا مستحيل بالبداهة كما ذكرت ومن ذا الذي يقول به. كلا. وإنما نقول: إن الجواهر الفردة والأثير لو كانا موجودين لكانا حادثين موجودين بعد عدمهما بإبداع الإله الموجود الأزلي القادر فأين لزوم المحال في حدوثهما. الدكتور: إن حدوث الوجود بعد العدم مستحيل.
الشيخ: عجبا يا صاحب العلم التجريبي كيف تدعي هذه الدعوى وأنت في كل ساعة ترى ألوفا من الموجودات قد حدثت بعد العدم. ألا ترى الانسان. أو ليس أقرب عهوده أنه نزل منيا في رحم أمه ثم صار علقة دم ثم صار إنسانا ذا أعضاء وحواس وشعور وعلم أين كان المني الذي نشأ منه حينما كان جده وجدته منيا؟ أولا ترى سائر الحيوان أولا ترى الشجر والنبات كيف يحدث بعد عدمه. أولا ترى سائر الموجودات في العالم مما تعرف وجوده بعد عدمه. فكيف تقول: إن حدوث الوجود بعد العدم مستحيل. الدكتور: لا أقدر أنا وكل ذي شعور على إنكار ما تذكره وكيف يجحد ما هو مشاهد معلوم لكل أحد ومنه نعلم بالبداهة أنه ليس بين الوجود والحدوث مضادة ولكن خصوص المادة وهي الجواهر أو الأثير هذه يستحيل وجودها بعد عدمها فإنا لم نر المادة حدثت ولم نر أحدا قدر على إحداثها وخلقها ولم نرها انعدمت ولم نر أحدا قدر على إعدامها. فإن العلم يبين أن كل ما نشاهده من اضمحلال المادة ليس انعداما بل إنما هو انعدام الصورة الخاصة وتفرق دقايق المادة الصغار التي لا يدركها الحس فهي باقية في الوجود غائبة عن الحس.
الشيخ: أسألك أيها الدكتور هل قدر أحد من الناس أن يأخذ ترابا أو غيره من المواد فيخلقها إنسانا ذا نفس وشعور وعلم أو حيوانا ذا نفس وحركة أو شجر ذا نمو وفاكهة ويبدعها بغير النواميس المعهودة. أيها الدكتور فهل يحسن بالعلم أو بمن له شعور أن يقول: إن أفراد لانسان والحيوان والشجر أزلية لأن العلم التجريبي يشهد بأنه لا يقدر لانسان على إيجادها بإبداعه وخلقه لها. الدكتور: مهلا أيها الشيخ لماذا غاب عن شعورك أن العلم والحس والوجدان تشهد جميعا بأنه ليس كل ما هو حادث يقدر الانسان على خلقه وإحداثه. بل إن من الحوادث ما يقدر الانسان على خلقه وإيجاده كالمصنوعات البشرية ومنها ما لا يقدر على إيجاده كالانسان والحيوان والشجر. ويشهد أيضا بأنه ليس كل ما لا يقدر الانسان على إيجاده فهو أزلي غير حادث بل يجوز أن يكون له علة تبدعه وتحدثه هي غير قدرة الانسان فإن الانسان والحيوان والشجر لا يقدر الانسان على خلقه وإيجاده وهو حادث بالوجدان لأن له علة توجده وتحدثه بناموسها.
الشيخ: إن العلم مشتاق إلى هذا البيان الذي يزيل المعاثر التي جعلها الوقت في طريق الشعور. أيها الدكتور إذن فلماذا لا تقولون إن المادة يجوز أن يكون لها علة تحدثها وتوجدها وإن لم يقدر الانسان على إيجادها كما قلتم في إيجاد الانسان والحيوان والشجر. وكيف قطعتم بإنها أزلية؟ الدكتور: قلنا إن المادة أزلية لأنها لا تنعدم ولا يقدر أحد على إعدامها. لأنه كل ما يرى من اضمحلال المادة فإنما هو تفرق أجزائها وانحلالها إلى الجواهر الفردة التي لا تنعدم. فالمادة باقية أبدية وكل ما هو أبدي فهو أزلي. الشيخ: هل تمكن رؤية الجواهر الفردة بالنظارات المكبرة والمقربة لكي يحس بها الانسان ويحكم ببقائها بعد الانحلال والتفرق.
الدكتور: لا. لا تمكن رؤيتها. الشيخ: إذن فكيف حكمتم ببقائها؟ فإن قلت: إنا نرى في انحلالها صعوبات كثيرة قلنا فليكن انعدامها بعد صعوبات أكثر من ذلك. وأيضا إذا كان إعدامها صعبا على البشر فلماذا لا يمكن أن يكون في العالم فاعل غير البشر يسهل عليه إعدام المادة. وأيضا إن الرأي الجديد المقبول بين علماء أورپا ينادي بأن المادة تنعدم إلى القوة فمن أين لكم أن القوة لا تنعدم فهل تقولون إن القنينة الليدنية إذا تفرغت تبقى كهربائيتها دقائق أو أجزاء لا تتجزأ من أين ذلك؟ وهذه الحرارة الناشئة من زيادة القوة الكهربائية والنور الناشئ من زيادة هذه الحرارة فهل تقولون عند اضمحلالهما إنهما يبقيان دقائق أو، أجزاء لا تتجزأ من أين ذلك؟.