الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٤٤
السعادة الأبدية بالنفس والجسد وإليك البرهان: إن جزاء الصالحين الأبرار كما تشهد به الكتب الإلهية وكما يقر به جميع أرباب الأديان المعروفة بلا استثناء إنما يكون في نعيم الملكوت حيث يقاسمون الله وملائكته وقديسيه سعادتهم الأبدية وتشهد تلك الكتب بأن الله روح لا تضمها مادة فليس هذه لله وملائكته محلا معينا ترتكز عليه المادة.
عمانوئيل: يا رمزي أنت تعرف وستسمع في صحيفة ٥٣٣ و ٥٣٤ ما وقع فيه في هذا المقام من تعتمد في كلامك على مكتوبه وما لقحم فيه من مخالفة الحقيقة الواضحة ومن التناقض الصريح عجبا للانسان المتقحم! ويا رحمة لانحطاط البرهان المسكين يا رمزي أي كتاب إلهي يقول بلفظه أو مأل معناه أن نعيم الصالحين يكون في الآخرة بنحو تقدس الله عن المادة وبنحو كماله الذاتي وغناه وأبديته ومعنى وجوب وجوده وأنهم يشاركون الله ويقاسمونه في قدسه ووجوب وجوده وكماله الإلهي.
أليس من الممكن أن ينالوا من مواهب الله وأعمال قدرته سعادة أبدية تناسب جسمانيتهم بدون أن يستلبوا مقام جلال الله وقدسه ووجوب وجوده ويقاسموه في ذلك؟ يا للعجب هذه المادة المقرونة بفقر الامكان وتقلب الصور يسمح لها بعض الناس أن تكون أزلية أبدية من دون اعتماد على واجب الوجود القادر ولا يسمحون لها بالخلود بقدرة الإله الأبدي القادر واجب الوجود. كيف ينسب إلى الكتب الإلهية وأرباب الأديان ما نسبه؟ أو ليس هذا قرآن المسلمين يقول في الآية الخامسة والعشرين من سورة البقرة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) ويقول في سورة الواقعة المكية ١٢ (في جنات النعيم) والآيات، ١٥ - ٢٦ (على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ. المكنون * جزاء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قليلا سلاما سلاما) ويقول في سورة المرسلات ٤١ - ٤٣ (إن المتقين في ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون). وانظر في سورة الصافات من الآية الأربعين إلى الثامنة والأربعين. وسورة الزخرف من الآية السبعين إلى الثالثة والسبعين. وسورة الطور من الآية السابعة عشر إلى الخامسة والعشرين وسورة الحاقة في الآيتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين إلى غير ذلك مما في القرآن من ذكر نعيم المعاد الجسماني. رمزي: ها هم المسلمون الذين لا يخفى مقامهم الكبير في أرباب الأديان المعروفة تراهم بأجمعهم يقولون في أمر القيامة بما يقول به قرآنهم من النعيم الجسماني (لا تعد منهم البابيين والبهائيين فإنهم ينكرون القيامة بتاتا على طبق المذهب المادي الإلحادي كما تصرح بذلك كتب الباب والبهاء).
يا رمزي ويقول هذا القائل [١] وكذا العقاب فإنه لا بد وأن يكون من نوع المكافآت (أي لا بد من أن يكون جسمانيا لأنه مكافأة للانسان الجسماني الذي عمل الشر) ولا يمكن أن يكون جسمانيا لأن سكان جهنم وأريد بهم الأبالسة والشياطين الذين هم الأشرار وأساس الغواية على عمل الشر كما تدل عليه الكتب المذكورة هؤلاء ليسوا سوى ملائكة وأرواحا حكم الله عليها بالعذاب فليس لهذه الأرواح محلا مخصوصا ولا يمكن أن تحل على مادة فالعقاب الذي ينالهم لا يكون إلا روحيا. وهذا
[١]ـ كتاب ماهية النفس صحيفة ٤٩. (*)